العلاقة بين بيعه الغدير وبيعة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف

منذ شهر

{{ بيعة إمام زماننا هي بيعة الله ، وكل العهود والعقود والمواثيق هي له ومعه }} . جاء في دعاء العهد الشريف : ( اَللّـهُمَّ إنّي أُجَدِّدُ لَهُ في صَبيحَةِ يَوْمي هذا وَما عِشْتُ مِنْ أَيّامي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ في عُنُقي، لا أَحُولُ عَنْها وَلا أزُولُ أَبَدا). هل سألنا أنفسنا يوماً ما هي حقيقة هذه البيعة؟ هل هي أخلاقية أم سياسية أم رمزية؟ وما هي الآثار المترتبة على من ينكث هذه البيعة ؟ ‎نأتي إلى الجواب من القرآن الكريم: من سورة الفتح المباركة الآية العاشرة حين قال سبحانه وتعالى مخاطبا النبي "صلى الله عليه وآله": . ‎ (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)) (1) ‎ فرسول الله "صلى الله عليه وآله" بايعه الناس وكانت يده فوق أيديهم والقرآن عبر عنها أنَّها كانت بيعة مع الله وعن يده أنَّها يد الله لأنَّه رسوله وهو يمثله في اﻷرض، فبيعة الرسول هي بحقيقتها بيعة الله بنص القرآن الكريم، ولأن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يمثلون الرسو الاعظم (صلى لله عليه وآله وسلم) فتكون بيعتهم بيعته وبالتالي بيعة الله (عز وجل). ‎ولذلك فقد بويع إمامنا الرضا (صلوات الله عليه) بنفس الطريقة التي بويع فيها النبي (صلى الله عليه وآله)، كما جاء في إرشاد المفيد، في حديث بيعة الإمام الرضا (عليهِ السَّلام) قال: "وجلس المأمون ووضع للرضا "عليهِ السَّلام" وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه، وأجلس الرضا "عليهِ السَّلام" في الحضرة وعليه عمامة وسيف. ثم أمر ابنه العباس بن المأمون أن يبايع له في أول الناس فرفع الرضا "عليهِ السَّلام" يده فتلقى بها وجهه وببطنها وجوههم فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة فقال الرضا "عليهِ السَّلام": إن رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" هكذا كان يبايع فبايعه الناس ويده فوق أيديهم". (2) . ‏‎وهنا يأتي السؤال، كيف يمكننا مبايعة إمام زماننا الغائب (عليه السلام)؟ في زماننا نحن نبايع إمام زماننا، وكما تبين لنا أن معنى البيعة مع صاحب الزمان "عليه السلام" هي بيعة مع الله، والبيعة مع إمامنا هي بيعة في أصل العقيدة، ولابد أن تمتزج هذه البيعة بالعقول والأرواح والقلوب ولابد أن تكون أولى الأولويات عند المؤمن لأنها بيعة إلهية. إذا كانت البيعة بهكذا قيمة ومكانة إذن، ما هي صفات الشخص المبايع للإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف؟ لابد أن يتصف المبايع لإمام زمانه بصفات، منها الإمان والإخلاص والتقوى وغيرها من الصفات حتى يستكمل بيعته مع إمام زمانه الحجة بن الحسن وهو الفوز العظيم، . (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (3) كيف نوفي بالعهد ولا ننقض بيعتنا مع إمام زماننا الحجة بن الحسن؟ جاء في زيارة الإمام الحجة عجل الله فرجه ونحن نخاطبه: (فلو تطاولت الدّهور وتمادَتْ الأعمار لم أزدَد فيكَ إلاّ يقيناً ولكَ إلاّ حبّاً وعليكَ إلاّ متَّكِلاً ومعتمِداً ولظهوركَ إلاّ متوقِّعاً ومنتظِراً، ولجهادي بين يديكَ مترقِّباً، فأبذُلُ نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك، والتصرف بين أمرك ونهيك. مولاي فإن أدركت أيامك الزاهرة، وأعلامك الباهرة، فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك، أرجو به الشهادة بين يديك، والفوز لديك، مولاي فإن أدركني الموت قبل ظهورك، فإني أتوسل بك وبآبائك الطاهرين إلى الله تعالى، وأسأله أن يصلي على محمد وآل محمد، وأن يجعل لي كرة في ظهورك، ورجعة في أيامك، لأبلغ من طاعتك مرادي، وأشفي من أعدائك فؤادي ). (4) وورد أيضا أنَّ مِن تمام الوفاءِ بالعهد والبيعة مع إمام زماننا، هُو زيــارة الأئمةِ (صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم)، ﻷنَّنا حِين نزورُ الأئمةَ إنّما نُجدّدُ العَهْـد معَ إمام زماننا "صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه"، كما قال إمامُنـا الرّضـا "عليهِ السَّلام" : (إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحُسنِ الأداء زيارةَ قبورهم، فمَن زارهم رغبةً في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمّتُهم شفعاءَهم يومَ القيامة) (5). وهذا العهد يتجدد يومياً بيننا وبين إمامنا "صلوات الله عليه" كما ذكرنا في دعاء العهد : (اَللّـهُمَّ إنّي أُجَدِّدُ لَهُ في صَبيحَةِ يَوْمي هذا وَما عِشْتُ مِنْ أَيّامي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ في عُنُقي، لا أَحُولُ عَنْها وَلا أزُولُ أَبَدا) (6). وهذه بعض الأمثلة من الزيارات واﻷدعية التي تبين حدودنا اتجاه إمام زماننا والصفات التي يجب أن نتحلى بها حتى نوفي العهد والبيعة ﻹمام زماننا، فنحن عبيده كما مر، (فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك)، وإنْ كُنّا لا نستحقُّ هذا الانتساب ولكنّهُ التَشريفُ من إمامنا (صلوات الله وسلامه عليه). فإذا عرفنا هذه الحدود سوف نبدأ بالمسير الصحيح بالبيعة مع إمام زماننا، ولا نغفل بأنَّ المعرفة هي أساس العهد والبيعة مع إمامنا وهي التي تزيد قوة الرابطة بيننا وبين إمامنا ، كما قال باقرُ العترة (صلوات الله عليه): (ذِروَةُ الأمر، وسِنامهُ، ومِفتاحُه، وبابُ الأشياء، ورِضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته) (7). مثال على ذلك هل نحن نستشعر معنى البيعة بكل معانيها؟ إذا أخذنا هذا المقطع من دعاء الندبة وطبقناه على أنفسنا فهل هو فعلاً منطبق علينا أو فقط لقلقة لسان والمقطع هو : (بنفسي أنت من مغيب لم يخل منا) أي لم يغب عن عقولنا وأرواحنا وحركاتنا وظاهرنا وباطننا، هل هذه الحالة فعلاً نعيشها مع إمام زماننا؟ والجواب تجدونه في نفوسكم، لأنه من لا يستشعر معنى العبودية من نفسه اتجاه إمام زمانه لم ولن يصل لهذه المرحلة لأن العبد هو الذي يستشعر هذه الحالة مع مولاه. الخاتمة نذكر هذه القصة : (مر الإمام الكاظم (عليهِ السَّلام) على دار بشر ببغداد، فسمع أصوات الغناء والطرب تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة البيت فرمت بها في الدرب، فقال (عليهِ السَّلام) لها: يا جارية، صاحب هذا الدار حرّ أم عبد؟ فقالت: بل حرّ. فقال (عليهِ السَّلام) : صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه.. فلما دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك علينا؟ فقالت: حدثني رجل بكذا. فخرج بشر حافياً حتى لقي مولانا الكاظم "عليهِ السَّلام" فتاب على يديه) (8). هذه الاية شرط من شروط البيعة وفيها فوائد عمليّة مترتّبة كثيرة نذكر منها: الشعور بالارتباط بالقائد الإلهيّ الّذي يشكّل امتداداً واضحاً لمسيرة الأنبياء والأوصياء عبر مراحل مختلف الأديان السماويّة. وهو وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). أنّ المرتبط ببيعة للإمام المنتظر المدرك لمقتضيات هذه البيعة، سيكون شديد الصلة بنائبه الّذي أمر (عليه السلام) بالرجوع إليه لابد ان يكون له بعد عقائديّ صحيح في عصر الغيبة الكبرى. قال الامام الصادق (عليه السلام): (كل رايه ترفع قبل القائم صاحبها طاغوت يعبد من دون الله) (9). يجب الحذر من الركون إلى الظالمين لأنّ من يبايع قائداً إلهيّاً أساس دعوته توحيد الله ونفي الآلهة المصطنعة. فسيشكّل ذلك حاجزاً نفسيّاً بينه وبين الطواغيت الّذين يعيثون في الأرض فساداً ويحكمون بغير ما أنزل الله تعالى. والحمد لله رب العالمين... __________________________ (1) سورة الفتح آية (10) (2) كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (3) سورة التوبة آية (111) (4) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج99 ص 118 (5) الكافي، ج 4 ص 567 (6) بحار الأنوار ج 53 ص 95 (7) وسائل الشيعة ج1 ص 29 (8) (9) كتاب الكافي ج 8 ص 265

اخترنا لكم

التكامل الثقافي للمرأة و الحياة الزوجية

ما أن تتزوج المرأة حتى تزداد مسؤولياتها فتنهمك أغلب النساء بهذه المسؤوليات و تنشغل بها فتتأخر عن التكامل العلمي ، والثقافي ، ومواكبة التطورات بعكس الزوج المتواصل علمياً وثقافياً مع تطورات الحياة ...و حينها يلاحظ الزوج ان هناك شرخاً عميقاً بينه وبينها ... وان المسافة قد ابتعدت كثيرا .. بينما نجد البعض الآخر من النساء و هن القلة النادرة في مجتمعنا العراقي يقدمن تكاملهن و تقدمهن العلمي و الثقافي على حساب الزوج و الاولاد .. في حين ان المرأة الذكية لا تتنازل عن طموحها و في الوقت نفسه تؤدي التزاماتها الزوجية والعائلية..و ذلك بمعالجة أهم الأسباب و أبرز المعوقات و هو ضيق الوقت غالبا وذلك من خلال عدة حلول نذكر منها : 1- وضع خطة أو برنامج بالمهام الواجب عليها تأديتها بحسب الأهمية مع تخصيص وقت بين عمل وآخر للراحة أو لممارسة هواية لغرض تجديد النشاط .. 2- عدم تضييع الوقت بمتابعة الافلام و المسلسلات غير الهادفة والتي تضيع العمر الذي تسأل عنه يوم القيامة ... كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم ) :" لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه .... " (1) ، بل قد تكتسب الذنوب والآثام من خلالها فيما لو وقع نظرها على مشاهد محرمة والعياذ بالله. . 3 - تخصيص وقت محدد لتصفح برامج التواصل الاجتماعي لكيلا تلتهم جل الوقت و الابتعاد عن المراسلات التي لا تجدي نفعا عاما ولا خاصا .. 4-بإمكانها أن تستثمر قدرتها على إدارة أكثر من عمل في وقت واحد فتطهو الطعام مثلا و تراقب الثياب في آلة الغسيل و تشرح لولدها ما صعب عليه فهمه -- إن أمكنها ذلك -- أو أن تستمع للمواقف التي تعرض لها خلال اليوم و كيف تعامل معها فتشجعه أن أصاب و تقوم سلوكه إن أخطأ... 5 - أغلب الأعمال المنزلية لا تفتقر إلى إعمال الذهن لذا يمكن للمرأة و هي تؤدي أعمالها أن تشغل ذهنها بالأمور النافعة من خلال الاستماع إلى محاضرة أو درس أو برنامج مفيد يثري رصيدها الثقافي و العلمي ... وهكذا يكون للمرأة بعض الفائض من الوقت يمكنها إستثماره في مطالعة الكتب أو تنمية هواية ككتابة الشعر أو القصص و غير ذلك حسب توجهاتها و طموحها ... عزيزتي ... إن قطار العمر لا ينتظر فإن استثمرتيه استثماراً صحيحا تقدم و تقدمت معه والا تقدم هو فيما تبقين انت على ما أنت عليه بل تكونين قد غبنت نفسك ...كما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) :" من اعتدل يوماه فهو مغبون ومن كان في غده شرا من يومه فهو مفتون" (2) وفقنا الله وإياكم للطاعة والعمل... -------------------------------------- (1 ) أمان الأمة من الاختلاف ج1 ص141 (2 ) أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع ج1 ص146

منذ شهرين
5

التكتم على ظلاماتها(ع) ظلامة أخرى ..

لم تظلم السيدة الزهراء (عليها السلام) في حياتها بكسر ضلعها وإسقاط جنينها ومصادرة أرضها، وبعد موتها فيما إرتكب من جرائم وحشية في حق الطاهرين من ذريتها وحسب، بل الى الآن تُظلم من خلال الدعاوى الجاهلة أو المغرضة التي تدعو الى عدم ذكر ماجرى عليها من مآسٍ وتجاوزات ، والتكتم على ما لاقته من جور وظلامات ،وما عانته من آلام وماذرفته من دمع وما زفرته من آهات .. ومما لاشك فيه إن التكتم على كل ذلك له آثار وخيمة أهمها : 1 ـ التكتم على بيان الحق وأهله من الباطل وأهله .. 2 ـ يترتب على ذلك تضليل المسلمين وحرمانهم من أهم سبل الهداية وأجلى طرق كشف أهل الحق لإتباعهم من أهل الغواية .. وبذلك لا يكون التكتم للأمة لها فقط بل ظلامة لجميع الأمة الإسلامية .. 3 ـ التكتم على دورها العظيم الذي أدته دفاعاً عن الولاية وجهادها المنقطع النظير الذي جاهدته دفاعا عن الإمامة ... وقد تذرَع المطالبون بالتكتم على ظلامات الصديقة الكبرى (عليها السلام) بالعديد من الذرائع من بينها : أولاً : قولهم بـأن ( قضية السيدة الزهراء (عليها السلام) حدثت في الماضي فهي قضية تاريخية ولا جدوى من البحث في الماضي والتنقيب في التاريخ )!! ويمكن الرد على ذلك من خلال : أولاً : البحث في الماضي والتنقيب في التاريخ هو منهج قرآني فقد دعا في الكثير من آياته الى النظر والتأمل في الأمم السابقة لأخذ العظة والعبرة .. ثانياً : يزداد النظر في الماضي أهمية إذا ما توقف عليه معرفة الحق وأهله من الباطل وأهله ، والبحث في قضية الصديقة الطاهرة (عليها السلام) يضع الحد الفاصل بين الحق والباطل ، ولذا يمكن إعتبار قضيتها وظلاماتها دليلا لكل حائر ومرشدا لكل متردد وهاديا لكل ضال ، وبهذا تكون لقضيتها (سلام الله عليها) وإن كانت تاريخية أثر هام في الحاضر .. ثالثاً : لما تقدم يتضح لنا جليا إن ظلامات الزهراء (عليها السلام) هي قضية ذات أبعاد عقائدية ، تعين المسلم في تصحيح إعتقاده ، وبما إن لعقيدة المسلم الدور الكبير في صنع مستقبله في الحياة الأخرى إذن فقضية الصديقة الطاهرة هي قضية وإن حثت في الماضي إلا إنها ليست حبيسة فيه بل لها آثار وإنعكاسات على الحاضر وعلى مستقبل المسلمين قاطبة في الدار الآخرة ... ثانياً : محاولتهم التكتم على جريمتي كسر ضلعها (عليها السلام) وإسقاط جنينها بذريعة أنهما لو وقعتا فعلا لذكرتهما في خطبها (عليها السلام).. ويمكن الرد على ذلك من خلال : أولاً : دلت على ملكيتها (عليها السلام) لفدك الأدلة القوية : إذ إن الأرض تحت يدها واليها يعود ريعها ، ومعرفة المسلمين بأنها نحلة من أبيها الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) وشهادة أم أيمن وبعلها على ذلك فضلا عن حقها في إرث أبيها وعلى الرغم من كل ذلك فقد أنكروا ملكيتها لها !!! فمثل هؤلاء القوم المحترفين للكذب والخداع يكون إنكارهم كونهم السبب في كسر ضلعها وإسقاط جنينها أسهل بكثير من قضية فدك لاسيما إنها (عليها السلام) قد لا تستطيع إثبات كونهم السبب في ذلك لأنهم قد يدعون إن الكسر والإسقاط يعودان الى سبب آخر .. ثانياً : عدم ذكرها لكسر ضلعها وإسقاط جنينها يفسر كونها أصبر على حقها الشخصي وألمها الخاص من قضية فدك التي تترتب عليها الكثير من الآثار العامة والهامة ؛لأهمية العامل الاقتصادي كما هو معلوم في دعم المعارضين للحكم ، فضلاً عن إنها بمطالبتها بفدك تريد ان تسلب الشرعية عن غاصبي الخلافة وتكشف حقيقتهم البائسة للمسلمين.. ثالثاً : كانت الزهراء (عليها السلام) على علم بوصية الرسول الاكرم (صلى الله علي وآله) لبعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) بالصبر ولهذا كانت تخفي كسر ضلعها عنه (عليه السلام) ، وقد يكون حرصها على عدم إشاعة الخبر ووصوله اليه أحد أسباب عدم ذكره في خطبتها .. رابعاً : أخيراً ، عدم ذكر حقيقة ما في خطبها لا يدل بالضرورة على عدم الوقوع ، فقد ثبتت هذه الحقيقة في الكثير من النصوص الشرعية من طرق الفريقين منها ما ورد في إخبار جبرائيل (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك بقوله : " ألا أُخبرك بما يجري عليهم بعدك؟ فقلت: بلى يا أخي! يا جبرئيل!. فقال: أما ابنتك ; فهي أول أهلك لحاقاً بك.. بعد أن تظلم، ويؤخذ حقّها، وتمنع إرثها، ويظلم بعلها، ويكسر ضلعها "(1) كما قال إبراهيم ابن سيار النظام: " إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها ، وكان يصيح عمر : أحرقوا دارها بمن فيها ، وما كان بالدار غير علي و فاطمة والحسن والحسين "(2) ، وعن شيخ ابن أبي الحديد : " لما ألقت زينب ما في بطنها أهدر رسول الله دم هبار ، لأنه روّع زينب فألقت ما في بطنها ، فكان لابد أنه لو حضر ترويع القوم فاطمة الزهراء وإسقاط ما في بطنها لحكم باهدار دم من فعل ذلك ... فقال له ابن أبي الحديد : أروي عنك ما يرويه بعض الناس من أن فاطمة روعت فألقت محسناً ؟ فقال : لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه "(3) ☄إنتهى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأنوار: ج101 ص44 . (2) الملل والنحل ج1 ص59 ، الوافي بالوفيات ج6 ص17 (3) شرح ابن أبي الحديد ج14 ص192

منذ شهر
17

الاستهانة بالمفقود

من بين أهم الأسباب التي تسبب تعاسة الانسان بل و قد تحيل حياته الى جحيم أحيانا هو فقده لأمر يعتبره غاية في الاهمية و ركناً أساسياً من أركان سعادته. فالبعض يشكو فقدانه للصحة، وآخر يشكو فقدانه للذرية، وثالث يشكو فقدانه للمال...وهكذا، فيحزنون ويتذمرون بسبب ماديات افتقدوها يظنون أنها سبيلهم الى السعادة، وقد تكون كذلك أحياناً .. إلا أن السعادة لا تكمن فيما حولنا من ماديات بل هي شعور داخلي يحسه الإنسان يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير. وهذه لا يمكن أن تتأتى بالأمور المادية بتاتاً؛ ما لم يكن هناك شعور بالسعادة ينبع من داخل الانسان ؛ لأن السعادة هي بما الإنسان عليه من شعور لا بما تحيطه من ظروف. فالسعادة ليست في كثرة المال وإلا لسعد قارون، ولا في رفعة المناصب وإلا لسعد هامان وزير فرعون، ولا في متعة دنيوية زائلة بل السعادة الحقيقية في طاعة الله، والبعد عن معصيته، وراحة الضمير.. و مع ذلك فمن الصحيح أن يسعى الانسان بكل جهده للحصول على ما يشعره بالسعادة سواء كان مالاً أو ذرية أو زوجة أو بيتاً واسعاً... وما إلى ذلك فإن كان الله (تعالى) قد قدر الخير فيما يبتغيه منحه له فلا بخل في ساحة المولى (عز وجل)، وإلا منعه منه حرصا عليه. فقد ورد في الحديث القدسي: " أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك وأن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك " (1) فإن بذل كل ما في وسعه و تعسّر عليه أن يجد ضالته ففي هذه الحال لا يجدي نفعا التحسر على ما يفقده مع كل نفس و في كل حين . و إلا فسيعيش التعاسة بعينها بسبب شيء لم يقدر الله (تعالى) أن يكون من نصيبه يوماً، فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام): " ما أعجب هذا الإنسان مسرور بدرك ما لم يكن ليفوته، محزون على فوت ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر، وعلم أنه مدبر، وأن الرزق عليه مقدر، ولاقتصر على ما تيسر ولم يتعرض لما تعسر " (2). و لعل خير بلسم لجراحات كل فاقد ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو قوله : " السعيد من استهان بالمفقود " (3) . و قد يتساءل البعض كيف يمكن أن يحقق مجرد (الاستهانة بالمفقود) السعادة؟ و للجواب على ذلك نقول: إن الاستهانة بالمفقود تعني أن يرضى الانسان بالحال التي هو عليها و لا يتذمر مما يعانيه بسبب فقده لبعض الاشياء ..و هذا بحد ذاته يمثل : أولاً: عبـــادة ؛ لأنه رضا بما قسم الله (تعالى) ، والرضا كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : " الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " (4)، فضلاً عن الثواب العظيم الذي يرصده الله (تعالى) لمن يرضى كما روي عن الامام الصّادق (عليه السلام) أنه قال: " من رضي القضاء، أتى عليه القضاء وهو مأجور. ومن سخط القضاء، أتى عليه القضاء وأحبط الله أجره " (5). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب الله تعالى يوم فقركم والإفلاس "(6). وبالإضافة إلى ذلك يكون دعاء الراضي بما قسم الله مستجابا فقد روي عن الإمام الحسن (عليه السلام): " أنا الضامن لمن لا يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له " (7). بل وإن الرضا سبب لاصطفاء الله لعباده كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه " (8). لذا كان الرضا بالقضاء مطلبا للأئمة (عليهم السلام) و الصالحين فقد ورد في الزيارة الخامسة من زيارات الجامعة ": واجعل الارشاد في عملي،... والرضا بقضائك وقدرك أقصى عزمي ونهايتي وأبعد همي وغايتي، حتى لا أتقي أحداً من خلقك بديني ولا أطلب به غير آخرتي "(9) ثانياً: راحة نفسية: فالإنسان الراضي بما قسمه الله (تعالى) له يعيش في راحة نفسية وهدوء لا يمكن أن يصل إليهما من شغل باله بالهم و قلبه بالحزن و صدره بالضيق بسبب ما يفتقده و بالتالي ينعكس ذلك على سلوكه فلا ينفكَّ يتذمر ساخطاً على قدره متشنج السلوك مما يدخله ذلك في سلسلة من المشاكل و الخصومات مع غيره والتي تزيد من وضعه تأزماً وتعقداً. لذا فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام): " الروح والراحة في الرضا واليقين، والهم والحزن في الشك والسخط " (10). وعنه (عليه السلام): " ارضَ تسترح " (11). وعنه (عليه السلام) أيضاً: " من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته " (12). وعنه (عليه السلام): " الرضا ينفي الحزن " (13). وعنه (عليه السلام): " نعم الطارد للهم، الرضا بالقضاء " (14). و عنه (عليه السلام): " إن أهنأ الناس عيشا من كان بما قسم الله له راضيا " (15) ثالثاً: طريق الى السعادة: فقد أثبت علماء الطاقة اليوم أن الإنسان يبث طاقة تشبه ما هو عليه من تفكير ومشاعر وتجذب هذه الطاقة بدورها ما يشابهها من ظروف وأحداث إليه عبر قانون الجذب. وبما أن الذي يعاني من الفقد لا يبعث إلا طاقة الفقر والسلبية فإنه لا يجذب اليه سوى المزيد من الفقر في الأحداث والسلبية في الظروف. وبالتالي يعيش في سلسلة من الأحداث المؤلمة والظروف القاسية والتي لا تنتهي إلا بانتهاء تفكيره السلبي وشعوره العالي بالفقد وذلك لايمكن الا من خلال الاستهانة بالمفقود . وبما إن الاستهانة بالمفقود والقناعة بالموجود غنى في حد ذاته كما روي عن الامام علي (عليه السلام): " من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس " (16)، وهي كذلك تبعث من الإنسان طاقة الغنى والإيجابية فإنها بالتالي ستجذب إليه المزيد من الأحداث المفرحة والإيجابية والسعادة بحسب قانون الجذب. وقد ورد في الروايات ما يعاضد هذا المعنى: " إن الله تعالى أوحى إلى داود (عليه السلام): تريد وأريد وإنما يكون ما أريد فإن سلّمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد " (17) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عوالي اللآلي ج2 ص29 (2) التحف في مناقب السلف ص 54 (3) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص108 (4) بحار الانوار ج75 ص135 (5) ميزان الحكمة ج4 ص101 (6) بحار الأنوار ج 79 ص 143 (7) مشكاة الأنوار ص 74 (8) بحارالأنوار ج 26 ص 142 (9)المصدر السابق ج4 ص99 (10) ميزان الحكمة ج4 ص100 (11) غرر الحكم ص 104 (12) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد، ج19 ص355 (13) غرر الحكم، ص 31 (14) عيون الحكم والمواعظ ص 494 (15) نفس المصدر السابق ص 143 (16)بحار الانوار ج75 ص158 (17)ميزان الحكمة ج4 ص101

منذ شهرين
6

التعليقات

يتصدر الان

المؤثرات القبلية في قراءة النص الديني

المؤثرات القبلية في قراءة النص الديني أثقل كفةً في ميزان التأثير على نتيجة الفهم البشري، إن عملية الفهم تمر بمقدمات إن لم تضبط وتنظم بما لا يرمينا بعيدًا عن المراد الجدي للنص، فستوجَّه عقولنا أوتوماتيكيًّا لما تفرضه علينا المواقف، والاتجاهات، والمذاهب، والمباني القبلية، إلى ولادة مسخ لا ينتمي نوعًا للمعاني الحقيقية للنص، فلابد إذًا أن نستقرئ أنواع القراءات لانتخاب القراءة المناسبة لتطبيق العدالة العلميَّة تجاه هذه النصوص المقدسة. إذن فموضوع مقالنا هو المؤثرات القبلية لقراءة النص الديني، لا النص الديني نفسه، ولا موانع فهم النص الديني، والنصوص الدينية أعم من كونها قرآنًا أو سنةً، بل أعم من كونها قرآنًا أو توراةً أو إنجيلًا، إذ نعني به كل ما صدق عليه ولو فرضًا أنه نص ديني، فما هي هذه المؤثرات بحسب الاستقراء؟ بعد أن استقرأنا المؤثرات لاحظنا أن بعض المؤثرات أعم من الأخرى، وبعضها مباينة للآخرى، وكذلك توجد ما لا يمتنع اقترانها مع غيرها في قراءة واحدة، ونذكرها بالترتيب مع محاولة شرح وبيان تأثيرها على القراءة المعنية، وسنسمي كل واحدة بالقراءة الكذائية نسبة إلى التأثير الذي يتحكم بها، والقراءات هي: 1- القراءة الإسقاطية (قصد الهدم): وهي الدخول لقراءة النص الديني بتأثير هدف وغاية إسقاط المحتوى والأساس الديني، ومن المعلوم أن هكذا قراءة لن تكون إنصافيةً أبدًا، ومن الطبيعي أنها ليست باحثةً عن الحقيقة بل لهدف إسقاط الطرف المقابل، فليست قراءة علميَّة مطلوبة، البعض ينظر للحركات الاستشراقية بهذه النظرة، أي أنها تدخل لقراءة المحتوى الديني في الشرق قراءة إسقاطية لا لتقرير الوضع الديني فيه، أو إنصافه، أو تقويمه، وعلى فرض صدق هذه النظرة فهي مصداق من مصاديق هذه القراءة السلبية. 2- القراءة السطحية: وهي قراءة النص الديني بلا تدبر، أي استطعام القشر دون اللب، وقد تكون لحجاب معنوي ما يمنعه منه، أو لا، هو غير متعلم، أو غير مطلع على كيفية الفهم، أو لم يدرس مقدمات فهم النص الديني، أو الوسائل التي تعين على ذلك، فيمر على النص ويلتقط أسرع الاحتمالات الظاهرة من سياقات النص التقاطاً لا ضامنًا بصحته، فيولد عندئذ من التزاوج بين أجنبية الصنعة وفقدان مكنة التدبر معنىً مشوه باسم المقصد الديني. 3- القراءة القفليَّة: -اعلم أن هذه المصطلحات ليست دارجة في الفنون، ولكن استدعت الحاجة أن نصف المطالب خلف كواليسها بها، فالمهم هو فهم المطلوب لا حفظ الألفاظ، فإن تم الفهم فسمّها ما تشاء- وهي قراءة النص بلا تدبر بسبب الأقفال التي فرضها القارئ على نفسه، وقيد نفسه بها ويسمونها الحجب الظلمانية، ومنها: أ- حجاب غياب قصدية التعلّم‏: وينشأ من ضآلة الاستفادة من النص الديني –خصوصًا القرآن- مما يعود إلى غياب هذا القصد، فنحن لا نتعامل معه بقصد التعليم والتعلّم، بل غالبا ما تقتصر علاقتنا مع القرآن –بل النص الديني عمومًا- على القراءة وحسب، نقرأ القرآن لغرض نيل الثواب والأجر، لهذا لا نهتمّ إلّا بجهاته التجويديّة، فقصدنا أن نتلو القرآن صحيحًا لينالنا الثواب، نحن نقنع بهذا القدر وتجمد علاقتنا مع القرآن عند هذه التخوم من دون أن نتخطّاها(1). ب- ومن الحجب‏ الكبيرة حجاب الذاتية والغرور وتضخّم الذات، أو حجاب رؤية النفس (2 )، حيث يرى الإنسان المتعلّم نفسه بواسطة هذا الحجاب مستغنياً لا يحتاج إلى الاستفادة (3). ج- حجاب المعاصي: من الحجب الأخرى المانعة عن فهم القرآن الشريف والاستفادة من معارف هذا الكتاب الإلهي ومواعظه، حجاب المعاصي والكدورات الناشئة عن الطغيان والكبر بإزاء ساحة قدس ربّ العالمين، ممّا يؤدّي إلى حجب القلب عن إدراك الحقائق (4). د- ومن الحجب حجاب الآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة، وأغلب هذا يوجد من التبعية والتقليد، مثلاً إذا رسخ في قلوبنا اعتقاد بمجرّد الاستماع من الأب أو الأم أو من الجهلة، نبني على هذا الاعتقاد، ولا نبدّله ولو أتانا واضح البرهان (5). لو دققنا في هذه الأمثلة المنتخبة من الحجب للاحظنا أن ضابطة الحاجبية هو كون الشيء ظلمانيًا من جهة، ومانعًا من جهة أخرى، وفي الأول يُسأل هل يمكن أن يكون الحجاب النوراني قفلًا كذلك؟ إنه لبحث جميل وواسع ليتنا نتمكن ونتفرغ للقيام به، وفي الثاني نستفيد السعة وشموله لجميع المؤثرات والقيود المؤثرة في فهم وإدراك المراد الجدي من النص الديني، وبالتالي قراءته قراءة غير سليمة. نعم هذه الحجب والأقفال ذكرت في البحث القرآني وإنما عممناها لسعة الضابطة، وإمكانية تطبيقها على سائر النصوص الدينية، فالتمسك برأي فاسد مثلًا يحدد الواردات المعرفية من النص بحدود الخلفيات التي يتبناها هذا الرأي، والمعاصي كذلك، وغياب قصد التعلم، فلا خصوصية لنص ديني ما دون غيره من القسماء. 4- القراءة المؤدلجة: وقد تدخل هذه القراءة تحت عنوان القراءة القفلية إلا أننا نظن قبل التحقيق باشتراط كون الحجاب ظلمانيًّا، ولكن هذه القراءة قد يكون الحجاب فيها نورانيًا كتأدلج الفرد ذي العقيدة الحقانية في سلوكه وتصرفاته وقراءاته، ولذلك نضع احتمالاً معتدًا به بمدخلية الحجاب النوراني في بحث القفليَّة. وتأدلج الشخص لا يعني بالضرورة ذمه، فلا معنى لتجرد الشخص من مطلق المعارف السابقة حتى يستقبل غيرها، نعم المطلوب أن لا تسيطر تلك الإيدلوجية على قيادة البحث العلمي، يقول بدر العامر(6). في مقالٍ له: «إن المشهد الثقافي عندنا يشهد نزوعاً إلى القراءة "المعيارية" و"المؤدلجة" للأفكار أكثر من القراءة "السننية" و"المعرفية" فيها، وهذا يجعل المخرجات محسومة، والأفكار ضعيفة، والقراءات ناقصة وهزيلة، لأن الرجل المعرفي هو الذي يحترم العلم ويقبل بنتائجه، بينما "المؤدلج" قد حزم أمره في كثير من المسائل وعطل دماغه عن العمل في فحص الأفكار والمسائل، فأحكامه قاطعة في كل قضية يحملها، ومواقفه محسومة من الأعيان والقضايا، ولذلك تجد الرجل الذي حصر نفسه في أطر من التفكير ضيقة جداً لا يحبذ الخوض في "تحرير المصطلحات"، لأنه معارفه هشة قد بنيت على الثقافة "الاستهلاكية" البسيطة التي يأخذها من مفكر يحبه، أو شيخ يتبعه، أو محيط تشكل فيه، وهذا يعفيه عن (الكد المعرفي) الذي من خلاله يبني شخصيته الاعتبارية والثقافية، وتكون معارفه قائمة على احترام العلم وأصول المعرفة» (7). 5- القراءة الانتقالية: ولا نجزم أن تكون هذه النوعية من القراءة قراءةً سلبية على الدوام، إذ قد تكون قراءةً إيجابية إذا ألبسناها ضوابط الحفاظ على السير البحثي الهادف، كمنهجية التفسير الموضوعي في قراءة النص القرآني إذ على ضوابطه، ورعاية الدقة العلمية فيه ينتج نتائجًا صحيحة وعلميَّة، ففيه يتم انتقاء الموضوع والمسائل الدائرة حوله في القرآن، وقد تكون قراءةً سلبية كما لو دخل الباحث في النص الديني لانتقاء الانحيازات التأكيدية، وإهمال اللا تأكيدية منها، أي إهمال الشواهد المعارضة للفكرة التي دخل على النص بنية إثبات حقانيتها مسبقًا. يذكر الشيخ الدكتور محمد كرم الله مثالًا للقراءة الانتقائية ومضارها في منشور له عبر حسابه في الفيس بوك: «وهكذا بمثل هذه القراءة الانتقائية تصوَّر الحياة الزوجية على درجة كبيرة من المثالية التي لن تكون واقعية في كل جوانبها . أين يكون الضرر ؟ : يأتي أحد الشباب يريد الزواج وليست لديه دراية كافية عن حقائق الحياة الزوجية ، فيطلع على هذه القراءة الانتقائية ، ويُمنّي نفسه بتلك الحياة المثالية، وبعد الزواج ؛ يجد وقائع لا تجري على تصوراته التي بُنيت على تلك القراءة الانتقائية ، وهي أمور معتادة في كل حياة زوجية ، بل وقع من أمثالها في البيت النبوي الشريف ، ولكن مع ذلك ؛ يحكم على حياته بالفشل ويقضي عليها بالانتهاء العاجل من غير عود ! » (8). وللشيخ حسين الخشن (9)، مقال جميل، حول القراءة الانتقائية وعلامات الظهور يقول في فقرة من فقراتها: «..بل كيف يمكن إعطاء صورة نقية لهذا العصر في ظل تحكّم القراءة الانتقائية المجتزئة لنصوص وأخبار الملاحم والفتن؟! فإن الملحوظ في المقام هو لجوء أصحاب الكتابات التي تتناول أحداث عصر الظهور إلى التمسك ببعض الروايات التي تخدم تصوراتهم المتخيلة والإعراض عن سائر الروايات الواردة في نفس الحدث الذي يتناولونه بالبحث..» (10). وفي نفس المقال يذكر الشيخ صورة لقراءة أخرى ويربطها مع القراءة الانتقائية، وهي قراءتنا التالية. 6- القراءة الإسقاطية (الرمي على الواقع): وفيها يقوم القارئ بإسقاط النص على الواقع المعاصر، بينما يحتمل النص عدة أوجه واحتمالات لا علاقة لها بالواقع، وذكر الشيخ الخشن في مقاله مثالًا، وهو إسقاط علامات الظهور المبارك على الأحداث، والشخصيات في واقعنا المعاصر، بينما يمكن حملها على أحداث وشخصيات لم توجد بعد، إذ يمكن أن توجد في المستقبل، وسلبيته في تشكيك البسطاء بأصل الفكرة التي يحتويها النص لا القراءة والإسقاط الاجتهادي على الواقع، فعندما يتبين خطأ القراءة قل من يتمنطق في ردة فعله تجاه ذلك، خصوصًا إذا كان الإسقاط موجهًا لبسطاء الناس. 7- القراءة الموضوعية: وهي قراءة النص الديني قراءة حيادية لا تلزم التجرد من جميع المعارف والعقائد القبلية، ولكن النص فيها هو الذي يقودنا نحو مراده لا المؤثرات القبلية، نعم هنا يوجه سؤال: هل يعني ذلك أن نتجرد من الثقافة والمقدمات العلمية التي تعلمناها مثل العلوم الآلية، كقواعد المنطق مثلًا؟ طبعًا لا، لأنها وسائل تضبط التفكير وتعصمه عن الخطأ، بل هي التي توجهنا نحو الموضوعية، يقول الشيخ مازن المطوري (11): «إن القبليات المذمومة هي الأحكام المسبقة، أما الأدوات والوسائل فلا يمكن مطالبة الباحث الديني بتفريغ ذهنه منها ومواجهة النص الديني بذهن عامّي خال من تلك الأدوات، إذ مثل تلك المطالبة عبثية ولا معنى لها. نعم؛ الباحث في الشأن الديني، بل في كلّ الشؤون المعرفية، مطالب بتفريغ ذهنه من الأحكام المسبقة التي تسهم في صياغة محتوى النص حسب رأي المفسّر وقناعاته المسبقة، وهذا المعنى هو الذي وردت فيه النصوص الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. أي أنها تنهى عن تفسير القرآن بالقناعة المسبقة والأحكام القبلية، وليس عن التفسير المسبوق بالأدوات والوسائل العقلية والعقلائية والدلالية». هذه الأمثلة وليدة الاستقراء لا الحصر العقلي، فلذلك يمكن اكتشاف قراءات أخرى، وغاية البحث أن ننبّه القارئ على ما يقترن بدخوله لقراءة النص الديني، ليحدد عندئذٍ هل رافقه مؤثر نافع، أم مضر؟ حتى لا تتشوه الصورة التي ينتظر تصورها منه، والبحث قابل لفتح محاور وتحقيقات كثيرة، إلا أن هذا المقدار كافٍ ومفيد. المراجع: 1- السيد الإمام الخميني، آداب الصلاة 192 2- منبر المحراب، العدد 1000، السنة العشرون، 4 رمضان 1433هـ 3- نفس المصدر 195 4- نفس المصدر : 201. ٥- منبر المحراب، العدد 1000، السنة العشرون، 4 رمضان 1433هـ ٦- باحث في الجماعات والاتجاهات الفكرية، داعية وخطيب جامع من السعودية. ٧- جريدة الوطن أون لاين، مقال القراءة المؤدلجة والقراءة المعرفية، بتاريخ ٢٠١٢/١١/٢٦م. ٨- شيخ ودكتور ومدرس من الخرطوم السودان. ٩- مدير المعهد الشرعي الإسلامي في بيروت، وأستاذ الدراسات العليا في مادتيّ الفقه والأصول في المعهد الشرعي الإسلامي. ١٠- موقع سماحة الشيخ حسين الخشن، مقالات، فكر ديني، علامات الظهور والقراءة الانتقائية الاسقاطية. ١١- أستاذ في حوزة النجف الأشرف.

منذ 3 أشهر
218

تراتيل الانتظار

أترقب ظلك يطل على نوافذ قلبي ويمنحني الأمان أيها الموعود كم ليلةً مرت وأنا بين نجوم السماء والأرض، أقتفي النظر لعلي إليك أصل وأكحلُ ناظري، هبني ذلك اللقاء، طالتْ وليلُ الأسى يذبح البراءة وعيون العاشقين تحوم على مبسم الورد تبحث عن أملٍ يرسم على جوانبها الحياة، طالت وصوت الدعاء يملئ قلوب المغرمين أيها المنتظر سندعو السماء لتمطر بركاتك علينا، على أمل الظهور، طالت يا يوسف فاطمة، هل من لقاء؟ هل يلتقي الحبيب بحبيبه؟ طالت والمدامع تنهمر من شدة الشوق، متى تشرق شمسك لتنير القلوب؟ سأصلي نيابةً واقرأ لك عاشوراء، وأدعوك بعدها، كل صلوات الليل أيقظت سنواتي العجاف، متى أرى السبع اليانعات وأنحني فرحاً بالقدوم؟ آآه آآه ياسيدي ياصاحب الزمان، ظلمنا انفسنا بالذنوب، وأين نحن منك وكيف نرجو لقاءك؟ عثرات المسير أكبر من عزمنا آآه ياسيدي إن لم تشملني بلطفك وعطفك أهوى وأتعثر، يامنقذي مالي سواك، خذني إليك، سيدي يا ابا صالح، هبني نظرة، كيف أرقب السماء، وأنتظر القدوم أيها المؤطر بالنصر، القلوب لك والهة، وعيون اليتامى أرهقها الصبر، هبني نظرة، وسأكتب للعالم عن الأمل يامهدي متى الظهور؟ وقد طآل الانتظار، وأنا أرتّل على قارعة الطريق حروف انتظارك، يا ليتني أعرف أي الطرق تسلك لأنتظرك هناك وأنثره بالورود والرياحين، واستقبلك لأحنو أمامك باكيه وأقبل قدميك سأظّل أحلم وأترقب ظهورك على أعتاب بابك أنتظر سأظّل أوقد الشموع لتنير لك الطريق، سأنتظر فجرك مهما طالت الايام، سيدي يا أبا صالح ماذا عساني أن أقول لك؟! عجز قلمي عن الكتابة، تاهت الكلمات بين شفتاي، يا شمساً أنارت الكون رغم تلبد الغيوم وقمراً يضيء درباً للعاشقين، سيدي متى نلقاك؟ ونحن نعلم، أننا بعينك وترانا في كل لحظة نشتاق لك مع قربك منا أملي في ظهورك كل فجر جمعة ياترى أي جمعة يملؤها نور وجهك المشرق، سيدي يا أبا صالح، امنحني نظرة منك لأرتوي منها حتى الممات ...

منذ شهر
42

نداء الحق

ارتفع صوت المؤذن بنداء يوقظ النائمين: الله أكبر، الله أكبر، فتحت عينيها لتردّد معه ما يقول كعادتها، وهي مضطجعة على فراشها، مدّت يدها لتفتح مصباحها اليدوي، ووجّهتْه صوب ابنتها التي وضعت وسادتها قريباً من قدميها لتركلها إذا استفاق أحمد الصغير. حاولت الوصول إليها بأطراف أصابعها، لكن ليلى غيّرت مكانها الليلة، حاولت النهوض لتفتح باب الغرفة لكن ركلة قدم الغيب ضربت ظهرها. صاحت بصوت منخفض: ليلى... ليلى... فتحت عينيها لترى أحمد أخذ كل غطائها وهو متنعم بدفئ صدرها، تسحّبت نحو أمها بهدوء وهي تجيب ماذا تريدين؟ شدّتها إلى صدرها وهي تتحسس خيوط الحرير المنسدلة على كتفها، خفق قلب الأم وقلب البنت أجاب بخفقات، لم تنطق الشفاه، بل تركتا الحديث لقلبيهما. قال قلب الأم: أحبك يا أبنتي سامحيني، أنا خائفة عليك يا ليلى... وأجاب القلب الصغير: أنا لا أُحبك أتسمعين هذا النداء؟، كم مرة قلت لك: أريد أن أكون كزوجة عمي! أريد أن أكون ملاكاً أبيض أطير إلى السماء، وأعود لأضع رأسي على التربة، كم مرة تحججتِ بأنك لاتعرفين ماذا يقول الناس إذا توجهوا إلى ربهم. همست الأم في أذنها: ليلى، افتحي باب الغرفة، ثم تسللي إلى وسادة أبيك، وهاتي المفاتيح، وإياك أن يستيقظ. قامت لتضع قدماً ولا تكاد تضع الأخرى حتى صرخت الأم بصوت عالٍ آآآه... آآآه... إنه ألم الطلق يا ليلى... أسرعي، ركضتْ وصوت بكاء أحمد امتزج مع صراخ أمها، سحبت الوسادة من تحت رأس ذلك الطاغوت السكران في صحن الدار وهي تنادي: بابا... بابا... أمي تناديك. فتح عينيه الملتهبتين ودفعها بعيداً، ثم عاد ليكمل حلمه الذي شاركه الشيطان به، ثم عادت ليلى إليه مرة أخرى: أمي يا أبي سوف تضع الطفل، ساعدها، سوف تموت، جلس وهو ينظر إليها وتمثّلت له أمرأة جميلة بلون عينيها الزرقاوتين وشعرها الذهبي، ابتسم ولم تصدق، ركضت نحوه ومدّ يده ليحتضنها، أنقذها صوت أمها منادية ساعدوني، أين انت يا ليلى؟. سرقت سلسلة المفاتيح وعادت مسرعة إلى أمها وجدتها مغشياً عليها. عشرة أعوام من السنين بلياليها وأيامها لم تعلّمها ماذا تفعل بمثل هذا الموقف. نظرت ثم فكّرت وإذا بمفاتيح السجن بيدها، أسرعت فتحت الباب، وركضت نحو الحسينية، وإذا بالمصلين قد خرجوا وهي تصيح: قد ماتت أمي ساعدني يا عم. أسرع عدد من الخيّرين وأتصل أحدهم بالإسعاف فلما دخلوا وجدوا الشيطان يقوم ويسقط، وحملوا أمها، لم تكن لديها الجرأة لتذهب معهم عادت واحتضنت أحمد، وبدأت تفكر متفائلة: عندما وضعتك أمي أخذني أبي إلى بيت عمي، كانت زوجته طيبة معي تطعمني وتجلسني معها طوال الوقت، هي لم ترزق بأولاد سوف نذهب وأكون مثل أبنتها سوف أطلب منها أن تعلمني الصلاة. بكى أحمد، كان جائعاً نظرت إلى فتحة الباب هذا اليوم لم يضع أحد ماتبقى من الطعام في بابنا، قد لا يعلم أحد بأننا هنا. اقتربت من الباب، أنه مفتوح يا أحمد، أخرجت رأسها، وإذا بإحدى نساء الجيران تبكي وتقول: ساعدك الله يا ليلى تعالي يا إبنتي قد ماتت أمك يا ليلى!

منذ إسبوع
35

أكرمكم أتقاكم

حرص الدين الإسلامي ومنذ بداية انتشاره على هدم كل الفوارق الطبقية التي اصطنعها البشر بين بعضهم البعض، فساوى بين العبد ومولاه، وبين العربي وغيره، وبين الأسود والأبيض، ولم يضع ميزاناً للتفاضل بينهم إلا التقوى كما ورد في قوله (تعالى): " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (13) (1). ولذلك فقد رفع هذا الدين الحنيف البعيد عن الرسول نسباً وهو سلمان الفارسي لتقواه حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سئل عنه فقال : « من لكم بمثل لقمان الحكيم: ذاك امرئ منا وإلينا أهل البيت أدرك العلم الأول والعلم الاخر بحر لاينزف »(2) بينما وضع سيداً من سادة قريش العربي عم الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) وهو أبو لهب . فمن المؤسف جداً بعد كل ما أوضحه لنا الرسول الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) أن نهجر أبجديات الدين الاسلامي فنحابي من نشترك معه في النسب وإن كان ظالماً على سواه وإن كان مظلوماً، ونصطفي الغني لغناه ونهجر الفقير لفقره وهو سلوك نهى عنه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإن كان في أدنى درجاته، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نقي الثوب، فجلس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء رجل معسر، درن الثوب، فجلس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أخفت أن يمسك من فقره شيء؟ قال: لا ، قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا، قال : فخفت أن يوسخ ثيابك؟ قال: لا، قال : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن لي قريناً يزين لي كل قبيح، ويقبح لي كل حسن، وقد جعلت له نصف مالي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمعسر : أتقبل ؟ قال: لا، فقال له الرجل : ولم؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك »(3). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) رسالة الاربعين ج1 ص436 (3) حلية الأبرار ج1 ص357

منذ شهر
26

بحث بعنوان الطفل الذي تراه في المهد هو مشروع رجل المستقبل

الطفل في المهد هو مشروع رجل للمستقبل: اذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي عليه السلام يجعله كالارض ولاريب ان الامام كان اكثر عمقا. ذلك لان الورقه البيضاء تفتقر الي عناصر البناء في حين ان الارض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه وبما ان محيطه الاول هو الاسرة لذلك يبدا الاسلام على مستوى هذه الاسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الاولى الرجل على اساس ان القيمومة بيده شرط ان لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والاحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة. ان القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الاسرة اخطر واهم من دور الرجل؛ نظرا لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها ان تنهض بها، لاسيما انها بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الاسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الاولوية من حيث الاهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح اما وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك (اذا اردت ان تخطب لنفسك فانظر اين تضع نفسك ) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلا هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال فاذا كان طيبا شمل خيره كل الناس. واذا كان خبيثا نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار ان الطفل ليس مجرد ولد صغير انت تقوم على تربيته كيفما دارت الاحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوما ما واقعا ملموسا. وعلى هذا الاساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر اين تضع نفسك. الاسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم انجازا حضاري من الطراز الأول في بناء إنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الاسلامية… التي انارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية… قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد ان الفضل في ذلك يعود الى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الاسلام يرى ان المجتمع يتكون من افراد (شعوبا وقبائل) ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى ان السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فاذا زرعت فيها وردا فسوف تجني منها الورد… واذا غرست شوكا فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى بتلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الاسلامي يعطي للتربية اولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته الطاهرين. ولخص ذلك الموقف بقوله صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق ) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والاخلاق بما يعني ذلك من بناء الانسان نفسيا وروحيا واجتماعيا. ومن الواضح انه يترتب على هذا المنهج امكانية الامر والنهي والاحكام والفصل في امور الحياة...مما فرضه الاسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد ان اولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محورا اساسيا وهو الانسان. فالاسلام يتوجه للانسان من دون المخلوقات الاخرى لان له دورا في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين. فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائما بالانسان ولا شيء غيره. فلاتنحصر مسؤولية الاباء في توفير المعيشة المادية للاطفال، بل ان مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية ايمانية صالحة؛ فأن تاديب الاطفال وتربيتهم أهم في نظر الاسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية. يقول الامام عليه السلام (مانحل والد ولدا نحلا أفضل من أدب حسن ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالادب) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 ان فطرة الانسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الاسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك ان الاسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في اصل وفطرة وأعماق الانسان. وهذا يعني ان. انحراف الانسان عن تلك الفطرة لا بد ان يكون له اسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الانسان. ومن تلك الاسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل اساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لايعلمون ) سوره الروم الايه 30. وهو ما يشير اليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه…) ان كل طفل يولد على اساس الفطرة الاسلامية، اي انه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محبا لعبادة الله تعالى، فاذا انحرف فيما بعد عرفنا ان ثمة أسباب كانت وراء انحرافه، كأن يكون ابواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام او ممارسة الفعل الحرام وبما غذياه الحرام او سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان المنكر عند بداية ادراكه فتاثر بهما واقتفى ماليس له به علم من سوء فعلهما .وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا عليه الإسلام في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يقصر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامه المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضا من الروايات التي تتطرق الى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن امه والسعيد من سعد في بطن امه ) ان الاسلام وضع نظما وحدودا وقوانين تقف حائلا دون ظهور نسل فاسد وناقص جسميا ونفسيا. واذا طبقت هذه القوانين قلت هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والاخطاء. فاذا احسن الابوان التربية قل ظهور الاولاد المنحرفين... وكذا لو توفرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الانسانية. عن الامام زين العابدين عليه السلام (واما حق ولدك عليك فإن تعلم انه منك ومضاف اليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وانك مسؤول عما وليته به من حسن الادب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في امره عمل من يعلم انه مثاب على الاحسان اليه معاقب على الاساءة اليه ) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 ليست تربية الاطفال واجبا وطنيا وانسانيا فحسب، بل انها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. ان الامام زين العابدين عليه السلام يصرح بمسوؤلية الابوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الاطفال واجبا دينيا يستوجب اجرا وثوابا من الله تعالى، وان التقصير في ذلك يعرض الاباء الي عقاب الله. يقول الامام الصادق عليه السلام (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) تحف العقول يمكن ان نفهم من هذا الحديث ان تأديب الولد حق وواجب في عاتق ابيه. ولذلك تجد ان الامام زين العابدين عليه السلام يعلمنا ان ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الاسف ان الواقع في كثير من الاحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الامهات اللاتي يُعلّمنَّ اطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الاهوج منذ الصغر. فيظل الاطفال مأسورين لتلك الاخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الاباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون اطفالهم الى مجالس اللهو والعبث. ويرتكبون الأفعال القبيحة امام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الابناء ترتبط ارتباطا كبيرا بالاب والام… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي ان اهمية التربية قد تتجاوز اهمية الوراثة والمجتمع الى درجة ان بامكانها ان توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع الى حد ما فتتغلب عليهما الا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (اي لايمكن ان تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الاخرى قوية او كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الابناء فن يستعصي على كثير من الآباء والامهات في فترة من فترات الحياة، وكثيرا مايتسال الاباء عن السبل الناجعة للتعامل مع ابنائهم. ان اطفالنا جواهر: ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الاسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي ان الكثير من الاباء هم الذين يحتاجون الى توجيه قبل الابناء. ولذلك يمكن ان نتجرأ ونقول بان هناك الكثير من الاولاد انما جاء فسادهم من خطأ الاباء في تربيتهم واهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. اثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الاولى من العمر على حياة الانسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن انت اشعرته انه ولد طيب واحسسته بمحبتك فانه سيكون عن نفسه فكرة انه انسان طيب مكرم، اما اذا كنت قليل الصبر معه تنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الامر به الى امراض نفسية كالكآبة والاحباط او التمرد والعصيان. لا بد ان نعرف ان هناك فرقا بين ذات الانسان وسلوكه. فذاته مكرّمة وعظية، اما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا ان نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بان حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: قال داود (عليه السلام): الهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك يكن لي كما كنت لي، اكن له كما كنت لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على ان يبروك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوما ان اولادك امانة عندك وانهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فأحرص على تربيتهم وتوجيهم، اعطهم وقتك وانتباهك ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم واذا مررت بظرف عسير فاعلم ان ذلك عابر. من المهم ان يعرف الابوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي ان تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وان يحرصوا على حب اطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الام ان لاتعتمد على سلطة الاب وهيمنته في تهديد اولادها وعقابهم، فيصبح الاب كما قال بعض اخصائي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما الاعند الاختلاف في الرغبات) ينبغي ان لا يظهروا خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام اولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في اخطائه. يجب ان تترسخ لدى الطفل فكرة ان سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من اهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الاسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب ان تضع نصب عينيك احدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الاسلامية للانسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الاجواء التي يجب ان تثيرها من حوله من اجل ان يتغذى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الامر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول الى تربية نموذجية اسلامية الى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به اصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من اجل صنع جيل اسلامي يعيش في خدمة الحياة والانسان على اساس كلمة الله والسير على تأدية ما اراد الله منه. ان الدين الاسلامي يعلمنا كيف نربي ابناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الاخرة ايضا لان الولد الذي يكون سببا في ايذاء الناس وايذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الاباء اذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في احدى المدن العربية ان لصا محترفا بعد ان سرق العديد من المنازل واحدث اللوعة في قلوب الناس لانه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد ان وضع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء باصدار حكم الموت شنقا طلب السارق من رجال الشرطة قلما وورقة فاحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا مادفعني اليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن ادبي وتربيتي) ان الاب هو المسوؤل الاول عما يفعله الابن ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، انما الذي نريد قوله ان الاباء يتحملون القسم الاكبر من المسؤولية لمكان ولايتهم على ابنائهم قال الامام السجاد عليه السلام في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فان تعلم انه منك ومضاف اليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملا حسنا قال له الناس رحم الله والديك. وان عمل سوءا القى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في امره عمل من يعلم انه مثاب على الاحسان اليه، معاقب على الاساءة اليه. قال احد الخبراء في علم التربية: ان الخطورة تكمن ليس في ان الاباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الابناء فقط وانما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في امور المعيشة وبالتالي فانهم لايقومون بتأدية واجبهم على احسن مايرام. وخاصة اذا كان الابوان كلاهما يعمل ويرجع باخر النهار متعبا مرهقا… فهذا يؤدي بالتأكيد الى التقصير في حق الابناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم اخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة او الروضة او المدرسة، طبعا لانقصد من هذا انه يجب على الام والاب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك امور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الالمام الكامل بمعرفة الاسس الفنية في معاملة الابناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل الاعلى للتربية المطلوبة او الشعور بايفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -اهمال دور الأم وعدم اعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور في وعيهما وتحاربهما. ومنه. نعلم انه يلزم على الاباء اعطاء فرصة للاولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل اولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب على اسئلة الناس اليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الاولاد واحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الابناء عكس ذلك تماما عند البعض..... اذا لم يعرف الانسان لماذا يعيش وكيف يعيش؟ فانه لن يعرف كيف يكون موته: إن تقدير الانسان لقيمة حياته يعتبر مقدمة لتعامل الانسان مع الواقع المعاش، بحيث يجعل لكل فعل من افعاله ولكل تحرك من تحركاته هدفا وغاية يريد الوصول اليها. وربما يكون ذا همة عالية بحيث يحاول من خلالها مد يد العون الى الامة ليتجاوز بها ماتعانيه من محن ومصائب، وفرد كهذا يعيش الطموح، لن يعيش على حساب حياة الاخرين فيغرر بهم ويلقيهم في المهالك من اجل مصلحة نفسه وشهواتها لانه من خلال تقديره لقيمة نفسه سوف يحترم قيمة حياة الاخرين وجهودهم. إن بعض الاباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم او رغباتهم او في سبيل عملهم قد يهملون تربية اولادهم ولايفكرون بانهم بهذا الاسلوب سوف يسيرون باولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم واخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون اكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع اهاليهم فضيق المكان يجعلهم يقسون على اطفالهم من اجل راحتهم، او أن يتحكم اكثر من فرد داخل الاسرة في تربية الطفل واستعمال الاسلوب الخاطئ او الضرب او العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الاطفال. ان التربية الواعية هي التربية المبنية على الاسس الاخلاقية التي ترشد الانسان ان لوجوده قيمة جوهرية لايمكنه ان يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج افراد لايضيعون حياتهم في التوافه، وانما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها اهداف حياتهم البناءة وبالتالي يمكننا ان نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلا للحياة لادراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش . وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة اظفاره بالتدريج السليم المطابق للاصول التربوية و العقائدية والاخلاقية، ومن هنا علينا ان نهتم بتربية اطفالنا على هذا النحو والاسلوب الذي يحقق الامال المعلقة على الاجيال القادمة في الوصول الى ارساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد او الامة، فلايعود الفرد ولاتعود الامة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من اجل تحقيق المصالح الشخصية او الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة هناك اثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام ومن اهمها تلك التي تتعلق في نفوس الاطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وماشابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع انت ايها الاب وانت ايتها الام ان تكونوا بمعزل عن كل تلك الاثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شي واحد وهو: الاحترام ولايعتقد احد بأن احترامه لولده يلحق به ضررا او يسئ الى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الاب ولده الى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لوتعامل الوالد مع ولده على اساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك اثرا سحريا في نفوس الابناء وتسير بهم الى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا ان نسجل هذه الفكرة التي تقول: ان قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. والا فإن احترام الصغار للكبار امر طبيعي مفروغ منه. فان عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لايكون قد صدر منهم اي فعل ذي بال يشار اليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الانسان من هو اصغر منه، ويتواضع لمن هو ادنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة اعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير ، ويسلم مبتدءا على كل من لقيه من صغير او كبير اسود او احمر حرا او عبدا، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الابناء نتائج ايجابية كثيرة. وباستطاعة اي اب ان يجرب ذلك. فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما فاطلب ذلك منه باحترام...واومئ اليه بالثقة ثم اطلب منه ماتريد وانظر كيف تكون النتيجة. هذا بالإضافة الى ان الابناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون اباءهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالاب حر في اختيار الطريقة التي يرغب ان يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماما كما انك لاتستطيع ان تسحب مقدارا معينا من المال من البنك الا اذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلاتستطيع ان تطالب ابناءك او اي انسان اخر بالاحترام وانت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الاطفال هم فلذات الاكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح. فهم ذخر الانسانية لغدها المشرق. وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد ان ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لان الانسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد ان تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما انهم كنز الانسانية ومستقبلها فعلينا ان نعمل على اعدادهم اعدادا مناسبا يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقه، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة. وعلى المربي عموما أن يدرك اهمية هولاء الاطفال وانهم سيكونون اهلا للحياة ولمواجهة مسوولياتها. ان فهم هذه الخصوصية وترتيب الاثر المناسب عليها يساعدنا على ايجاد المجتمع الانساني الفاضل الذي يتحلى بالاخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للانسانية باعتبارها صمام امان للحياة نظرا لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل افراد المجتمع الانساني الى اهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك باهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والاحلام الرائعة الجميلة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الانسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سني حياته الاولى ينظر الى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالما تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيدا عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل ان يبدأ صراعه معها. وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم وكم يتمنى كل فرد انساني ان يعود لطفولته البريئة ليسرح في ارجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الانسان اليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح. هذا هو عالم الطفولة وهذه احلام من يعيشها، فلاينفذ الى سره ولايدري كنهه الا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والاثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستانا عامرا بالاطايب، حيث يتذوق الطفل مع احلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا ان نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من اهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وفي الوقت الذي نرى فيه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال ومايترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. ومانرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي الى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الاخرى مثل ظاهرة اطفال الشوارع، والمتسولين والاحداث، كل ذلك له اسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من اهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائما على ان اسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالبا خلل في المعاملة مع الطفل من قبل الاهل. وان الاطفال الذين تساء معاملتهم هم دائما ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي اثرها عند الطفولة فقط وانما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لانها تنطبع بشخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصا يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصا ظالما لمن حوله او مجرما حتى مع أقرب الناس اليه كاخوته واطفاله وزوجته واصدقائه. فلينتبه الابوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لانهم لايظلمون طفلهم فقط انما يظلمون مجتمعا كاملا. تعتبر الاسرة النواة الاولى لتنمية الطفل والقالب الاجتماعي الاول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الام التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلبا على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الاسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الاولى من العمر في باقي حياة الانسان، وقد وجد انه اذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الاشهر الاولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… ان الانماط السلوكية الاسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع ان يفعله. ولكي يحصل على الاشباع والرضا فعلى الاسرة ان تعمل على تنمية شخصيته. ان اهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل انما مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه او من يقوم مقامها بصفة دائمة وان اي حرمان من حنان الام تظهر اثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل

منذ شهر
24

جمال كمالها كـكمال جمالها ...جميل كامل ...السيدة الزهراء

...... سيدتي ! بل يا سيدة الوجود! و محور العالم ..! يا ملحمة فصول تصطّف أوراقها بكل شموخ، يتصدرها أبوك خاتم الأنبياء ويختمها ولدك خاتم الأصفياء... ............ سيدتي! يا سِفـرَ الرحيل الذي يرتله عليٌّ بصوته المثخن بشرحجاتِ الحنين الى ذكريات الماضي... بكل ألمها وأملها.. يرتله لتسمعه بل وتَعيه هذهِ الدنيا الخائنة التي ما زالت تظم أولئك النفر! ........ سيدتي! يا من وجود الكون لولاكِ استحال! ْعجيبٌ... أن أبحث لكِ عن قبر! وهل الملاحم تـُقبر؟! وعجيب أن أبحثَ عن قبر يظمك يا واحدةَ أبيكِ! و أنتِ من يبثُ الحياةَ في تلكَ القبور! والأعجب أن أبحثَ فلا أجد لكِ قبراً ولا حتى حجراً يدل عليه! وأنت سليلة المجد التليدْ..!!! ......... سيدتي! كيفَ أمسيتِ جسماً عليلاً تحت شفير تراب الأرض؟! كيفَ أمسيتِ وذاك عليٌّ جالسٌ على قبركِ يخطُ الأرضَ بيدهِ ويُرددكِ فاتحةً لوحدته! بل كيفَ أمسيتِ وتلك زينبُ الطُهر تصحو من منامها حائرةََ مذهولةً تبحث بكلتا عينيها في أطراف الدار علها تجدكِ!!! ....ولم ولن تجدك بعد! كيف بها وحيدة في الدارِ تسأل نفسها: أين تكون قد ذهبت أمي؟! هل رحلتْ وتركتْني بدون وداع حتى؟! هل رحلتْ وتركتْني الوريثةَ الوحيدةَ لمصائبها؟! هل رحلتْ....؟! وإذا بـعليّ يدفعُ ذلكَ الباب -الحزين-بكلِ هُدوء! لِــيرى تلكَ الطفلة اليتيمة، أقبلتْ هائمةً بينَ يديه، تُحدقُ النظرَ في فمهِ، علّهُ جاءها بخبر عن أمها! لتتفاجئ به وهو يمسحُ على رأسها إشعاراً لها برحيل أمها! كيفَ بها في جوف الليل، وتلك دموعها تتهادرُ على خديها كــالؤلؤ حرقـةً وألماً؟!.. آهٍ سيدتي ما زالت صغيرةً على ذلك! فأمامها الكثير في طفِ كربلاء...! .............. سيدتي! مـا لَهم؟! أولئك! لا سامحهم الله! ...أليسو أولئكَ هم صعاليكُ المصاهرة؟! تقدموا لمصاهرةِ أبيكِ منكِ أيتها الطُهر الطاهر،طمعاً في خلافته! فأتاهم زَجرُ السماء لِـيوقفهم عندَ حُدودِ الأدبْ! ولِـيكفوا عَن تَحديْ مقاماتِ السادةِ الأصفياءْ!! أليـسوا هُم بالأمسِ خفافيشُ العقبة يتسابقون لاغتيالِ أبيكِ ففضحهم الله؟! وذاك سُليمٌ يشهد بها عن أبان عن عليًّ عن أبيكِ؟! وها هم اليوم أمسَوا خفافيش السقيفة يتدافعون لِـسلبكم ما آتَاكُم الله من فضله! أجل، هم أنفسهم كما أخبرَ والدكِ هم: فلان وفلان وفلان!! ...ها هي جهنم تتوعدهم.. وذلكَ تابوتهم فوقَ صخرةٍ في قعرِ جهنمْ يُـناديهم، ليُعذّبوا فيه إلى أبد الآبدين! جزاءً بما كانوا يفعلون!! ............ سيدتي! كيف بهم يومَ يُناديهم نبيهم: كيفَ أخلفتموني في أَهْلِ بيتي؟! هل أكبرتموهم وعَزرتُـموهم؟أم أهنتموهم وأقصيتموهم؟!! ماذا عن وصيي؟! هل شيعتموه إلى مقرِ خلافته ليكون خليفتي عليكم ؟ أم أخذتموه جراً وغصباً لِـيبايعكُم بدلاً منه؟! هل حفظتم وصيتي في شأنِ تلك الدار؟ التي كنتُ أُنادي أمامها كل يومٍ آيةَ التطهيرْ؟ أم روعتم اَهلها بـِمقدارِ تلكَ الضغائن المحبوسة في صدوركم؟! هل استأذنتم عند وقوفكم على باب دار الوحي كما كنتُ أفعل ذلك بالرغمِ هو بيت ابنتي؟ أم أشعلتم نارَ أحقادكم الدفينة فيه؟! هل حفظتموني في ذريتي (والمرء يُحفظ في ولده)؟! ام سبيتموهم وأقصيتموهم ولم تَـرعوا لهم في الله حرمة؟!! وَهل؟! ولِـمهديكِ الثأر أينَ الطالبُ بــذحولِ الأنبياء وأبناء الأنبياء؟! (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً(27)) سورة الفرقان إن موعدهم الصبح! أليس الصبح بقريب؟! ليلة ١٠ جمادى الاول سنة أربعمائة وتسع وثلاثون بعد الألف

منذ شهرين
23