إصلاح النفس مفتاح السعادة

منذ 5 أشهر

الدنيا دار اختبار وابتلاء؛ ولذا فمن الطبيعي جداً أن تعتري حياة الإنسان فيها النوائب والمصائب لغرض اختباره وابتلائه، ولإظهار ما يحمل من استعدادات للخير أو الشر من القوة إلى الفعل والخارج، ليثاب على صبره وتسليمه لقضاء الله وقدره ورضاه به وليعاقب فيما لو جزع واعترض وكفر...

بيد أن الكثير من تلك النوائب والمصائب التي تصيب الإنسان إنما تصيبه بسبب ما يرتكبه من ذنوب وما يقترفه من معاصي، يؤيد ذلك قوله (تعالى) : " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) " (1) ، وقال تعالى: " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا "(2) .

كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): توقوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب، حتى الخدش والكبوة والمصيبة، قال الله عزوجل: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30)" (3) ، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " إن المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق " (4) ، كما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام): " كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون "(5).

وبالتالي فإنه لا سبيل إلى الخلاص مما يعانيه الإنسان في هذه الحالة _من تعاسة وهموم وأحزان وضنك في العيش وضيق في الصدر والقلب_ إلا بالإقلاع عما تجترحه جوارحه وما تقترفه جوانحه من ذنوب. ومن الخطأ الفادح أن يبحث الإنسان وينقب عن الأسباب الخارجية التي يحلو له أن يتخذ منها سبباً لأغلب مشاكله إن لم يكن جميعها، وقد يرمي البعض سبب ذلك إلى مايتوهمونه من الحسد والعين والسحر...

فتجد إن أغلب الناس يتخذون منها شمّاعة لكل ما يصيبهم فيبذلون أقصى جهودهم للتوسل بهذا الشخص أو بتلك الواسطة أملاً منهم في تغيير واقعهم نحو الأفضل، والحال أن الداء الخطير يكمن في بواطنهم وهم عنه غافلون، إذن فلابد من أن تكون أول وأهم قضية يفكر فيها الانسان ويتوجه إليها بل ويركز جهده عليها هي إصلاح نفسه ، لأن صلاح نفسه هو مفتاح سعادته ، ولذا فقد أرشدنا الله (سبحانه وتعالى) الى ضرورة مراجعة النفس وإصلاحها لكل من يحاول أن يغير واقعه الخارجي قال (تعالى) : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) "(6)
وقد يتساءل القاريء اللبيب إن كان للإنسان أن يدفع عنه الابتلاءات التي تصيبه بسبب ذنوبه عن طريق إصلاح نفسه فكيف يمكن أن يكون إصلاح النفس سبباً في دفع الابتلاءات التي يمتحن بها الله (تعالى) عباده؟ والجواب: إن الدنيا دار ابتلاء ولابد أن يُمتَحن فيها الإنسان وعليه فإن إصلاح النفس قد يجدي نفعاً في تخفيف وطأة هذا النوع من الابتلاء بأعتبار أن لها الأثر الجسيم والمفعول العظيم في الصبر عليها والتسليم لها والرضا بها، ولولا إصلاح النفس لما رأت الصديقة الصغرى كل ما جرى في واقعة الطف جميلاً...

وبالتالي فإن إصلاح النفس هو مفتاح سعادة الإنسان في الدنيا حيث يجنبه الأمراض النفسية من إكتئاب وما الى ذلك مما يفقده الأمل في الحياة، فيقدم على الانتحار معتقداً أنه الحل الناجع، كما إن إصلاح النفس هو مفتاح سعادة الانسان في الآخرة بلا ريب حيث يمكنه من الفوز برضا الرحمن والخلد في الجنان...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروم 41
(2) طه 124
(3) ميزان الحكمة ج3 ص360و361
(4) و(5)المصدر السابق ج3 ص362
(6)الأنفال 53



.

اخترنا لكم

إنكسار قلم

رأيته يكتب بإنكسار، وكأنه ينثر دموعاً تتلألىء على السطور، وليست حروفاً. وقف محتاراً ماذا يكتب بإنكسار قلّب بين أناملي وهو يرجع عليه صدى صوته ليقول لي: ماذا أكتب لك؟ فقد عجزت الحروف عن وصف مابك! أكتب ياصديقي ورفيق دربي، سأخبرك بما يدور في مخيّلتي وأنا أرى من حولي من الفتيات والنساء يداعبْن أحلامهن ويتراقصْنَ مع أفكارهن، ليلدْن واقعاً جميلاً، ويرجع إليّ صدى الصوت يخاطبني: أفيقي، لاتتخيلي وتسرحي، فأنتِ لستِ منهن، ولاتذهبي بعيداً ربما ستضلّين طريق العودة. فانتبهت ووقفت لأرى نفسي أمام المرآة وأحدّق بملامحي التي بدأ عليها الشحوب، وبات في عيني الخمول، وأُدمدم مع نفسي لأسألها: هل هذه أنا حقاً؟! فردّ عليّ قلمي يقول لي: أما تكتفين وترتوي من دموعي، فقد كسرتي قلبي وجف حبري وأعلنت إنكساري وعجزي عن كتابة ما أنتِ فيه. ولا يسعني يا صديقتي إلا أن أقول لك: أما تعلمين أن الصبر مفتاح الفرج؟ فتحلي بالصبر ولاتقنطي من رحمة الله إن كنت كما اعرفك مؤمنة بالله فالمؤمن لاييأس من روح الله، ولايقطع رجاءه من الأمل بالله، ويعلم أن كل ما يعاني منه فهو في عين الله، يراه ويسمعه فسلّمي أمرك لله، ياعزيزتي فالفرج قريب.

منذ 4 أشهر
78

الأمل في المفهوم الاسلامي

*معنى الأمل: هو رجاء الوصول إلى امر يراه المؤمل محبوبا سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة. وهو القوة الدافعة للإنسان الى العمل والباعثة على السعي والمثابرة والاجتهاد بغض النظر عن سلبية الاتجاه الذي يسير فيه المؤمل وإيجابيته . *أقسام الأمل : يتباين الناس من ناحية الأمل فمنهم من ينعدم لديه ومنهم من يطول أمده عنده ومنهم من هو بين هذا وذاك . وبناء على ذلك فقد ذكرت الروايات الشريفة كل تلك الأقسام وحثت على ما ينفع المسلم وحذرت مما يضره منها: القسم الأول: حالة طول الأمل: وقد عرفه آية الله المشكيني بـ(رجاء النيل إلى الملاذ، وتمني الوصول إلى المشتهيات وإن كانت بعيدة المنال من حيث الكم والكيف والمكان والزمان، وهو من أمراض القلب وذمائم صفات النفس ورذائل ملكاتها، وهذه الصفة في الغالب من الغرائز المطبوعة والسجايا المودعة في النفس، تزيد وتتكامل باتباع مقتضاها، وإعطاء النفس في دعوتها مناها)(1) و قد ذمته الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): " ان اخوف ما اخاف على امتي الهوى وطول الامل، فأما الهوى فيصد عن الحق، واما طول الامل فينسي الآخرة " (2). كما روي عن الامام علي (عليه السلام): " لا تفتننكم الدنيا ولا يغلبنكم الهوى ولا يطولن عليكم الأمد ولا يغرنكم الأمل فإن الأمل ليس من الدين في شيء " (3). وقد ذكرت الروايات أيضا بعض الأسباب التي دعت الى ذمه والتي يمكن تلخيص أهمها في : 1 ـ التأثير السيء لطول الأمل على العمل: فهو يدعو المسلم الى تأجيل ما يجب عليه من عبادات ويماطل فيما يجب أن يؤدي من حقوق إتكالا على الأيام أو الشهور أو حتى السنوات القادمة من عمره ناسيا أو متناسيا إن الانسان مخبوء الأجل فلا يعلم لعله يموت غدا، فقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ): "الأمل يفسد العمل ويغني الأجل "(4) و" إياك و طول الأمل فكم من مغرور افتتن بطول أمله وأفسد عمله وقطع أجله فلا أمله أدرك ولا ما فاته استدرك"(5) و " ثمرة الأمل فساد العمل " (6)و " طاعة الأمل تفسد العمل " (7) و "غرور الأمل يفسد العمل " (8) و " من طال أمله ساء عمله " (9) و " ما أطال أحد في الأمل إلا قصر في العمل " (10). 2 ـ طول الأمل ينسي الأجل : إذ إن سكون نفس الانسان الى طول الأمل والبقاء في الحياة ينسيه الأجل والاستعداد له قال أمير المؤمنين (عليه السلام ): " أكذبوا آمالكم واغتنموا آجالكم بأحسن أعمالكم وبادروا مبادرة أولي النهى والألباب " (11) و " ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرره [يضره] أجله " (12) و " لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره "(13) و " من جرى في ميدان أمله عثر بأجله " (14). آثار طول الأمل: لطول الأمل آثار وخيمة ذكرتها بعض الروايات منها: 1 ـ طويل الأمل يبغضه الله: روي عن الامام علي ( عليه السلام ) أنه قال: " إن الله ليبغض الطويل الامل السئ العمل " (15) 2 ـ جماع الشر في طول الأمل روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : " جماع الشر في الاغترار بالمهل و الاتكال على الامل " (16) 3 ـ شقاء طويل الأمل فيما أوصى به النبي (صلى الله عليه واله) عليا (عليه السلام): " يا علي أربع خصال من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وبعد الامل، وحب البقاء " (17) 4 ـ طويل الأمل أحمق روي عن الامام علي ( عليه السلام ) : " من الحمق الاتكال على الامل " وانشد عليه السلام قائلا يا من بدنياه اشتغل وغره طول الامل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل (18) *علاج طول الأمل طويل الأمل يركن الى الحياة الدنيا ويتعلق بها ويبذل أقصى جهده في سبيل إعمارها، فيتشبث بها باعثا طول الأمل في نفسه عدم إنتقاله منها فهو يستبعد الموت، لذا فإن علاجه يكمن في: 1 ـ التأمل والتدبر في حال الدنيا وخستها وزوالها وما جاء من الله تعالى بألسنة رسله وأوصيائه في ذمها والاحتراز عن اتباعها. والتدبر في حال من ملكها من قبله من الملوك والسلاطين الذين سيطروا على الأراضي الشاسعة منها وملكوا ما ملكوا فيها وكم تصوروا بأنها تدوم لهم ثم غادروا كل ذلك مرغمين مقهورين . 2 ـ مطالعة ما أعد الله ( تعالى) للمؤمنين في يوم الآخرة من نعيم مقيم لا زوال له ولا إضمحلال فيرغب نفسه بتلك الحياة الخالدة ويشتاق الى نعيمها ويعلق قلبه فيها لتهون عليه هذه الحياة الفانية وليقل تشبثه بها. 3 ـ الاكثار من ذكر الموت روي عن أبي عبد الله (عليه السلام ): " اكثر ذكر الموت فما اكثر انسان ذكر الموت إلا وزهد في الدنيا " (19). القسم الثاني :حالة إنعدام الأمل قد ينعدم الأمل لدى بعض البشر فيدفعهم الى الكسل والإكتئاب والإنطواء وربما الى الانتحار لأسباب تختلف من شخص لآخر لكنها تنتج أمرا واحدا لديهم وهو اليأس وقد نهت الآيات الكريمة والروايات الشريفة عن اليأس بل واعتبرته ثاني الكبائر بعد الشرك لما له من آثار وخيمة على الفرد والمجتمع تصل الى حد الكفر والانتحار منها: 1 ـ سلب الأمل من قلب الإنسان هو أقوى أسلحة الشيطان، وبه يبعد المذنبين عن التفكير في العودة الى دائرة طاعة الله (عز وجل) . فاليأس جنديّ ماكر من جنود إبليس ولذا كان اليأس من روح الله ثاني الكبائر بعد الشرك بالله لأنه يؤدي الى الكفر قال ( تعالى) : " وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) "(20) 2 ـ اليائس لا يعمل وبما إن لا حياة بلا عمل إذن فلا حياة للإنسان اليائس، وبالتالي لاحياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة، روي إن النبي عيسى (عليه السلام ) بينما هو جالس وشيخ يعمل بمسحاة ويثير بهأ الارض، فقال عيسى (ع ): اللهم انزع عنه الامل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع (21) 3 ـ اليأس يدعو الى الأسف كما جاء في قول الامام علي ( عليه السلام) عن القلب: " بضعة هي أعجب ما فيه وذلك القلب وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرخاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف " (22). 4 ـ لآثار اليأس الوخيمة فلم تحرص بعض الروايات على النهي عنه بل نهت عن مقدماته أيضا كما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام ) : " اياك والجزع , فانه يقطع الامل ,ويضعف العمل , ويورث الهم " (23) وعلى الرغم من كل ما تقدم نجد بعض الروايات تمدح اليأس و تحث عليه فيما إذا كان يأسا عما في أيدي الناس فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " نال الغنى من رزق اليأس عما في أيدي الناس والقناعة بما أوتي والرضا بالقضاء " (24) بل وإعتبرته بعض الروايات إنه من موجبات العز كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " لايزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر أهلها اليأس مما في أيدي الناس فيوطنها " (25). وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): " اليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه، أوما سمعت قول حاتم: إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى إذا عرفته النفس والطمع الفقر "(26) علاج اليأس: من طبيعة الإنسان أنّه في حالة الحزن يعيش لحظته التي هو فيها دون أن يفكّر في الزمن القادم إليه وما قد يحمله من فرج ويسر. فلا يفكّر بأنّ الشر من الممكن أن ينزاح عنه، بل يتصوّر أنه محيط به، ومستمرّ معه فلا يحسب حساب المستقبل. وهذا هو اليأس الذي صوره الله (تعالى) حيث قال: " إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلاَّ الْمُصَلِّينَ"(27) ولا ينجو منه الا المصلّون، كما تصرّح بذلك الآيات السابقة، فانّهم الوحيدون الذين يرتبطون بالمستقبل عبر ايمانهم بالله (عز وجل). ويقينهم بكلماته إذ قال: " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) " (28). كما دعا الله (تبارك وتعالى) بقوله: " مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلآئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ " (29) الى عدم استعجال الانسان وانتظاره الفرج مهما أحاطت به من أحداث قاسية لانّ الله (سبحانه ) ذو تأنٍّ لا يستعجل، ولا تعجله الحوادث، لأنه لا يخاف الفوت، فيوم واحد عنده هو كخمسين ألف سنة مما نعدّ ونحصي. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : " من يكن الله أمله يدرك غاية الأمل والرجاء "(30). فالأمل بالله (تعالى) والارتباط به والاطمئنان الى عدله ولطفه يجعل المر حلوا والعسر يسرا والابتلاء جميلا كما ورد عن السيدة الطاهرة زينب (عليها السلام): " ما رأيت الا جميلا " لنظرتها المستقبلية الى الحفاظ على خاتم الأديان الذي سيملأ الكون بجمال مبادئه وبقضائه على الظلم وبسط عدالته. فهي لم تنظر الى اللحظة الآنية التي كانت فيها بل إستشرفت المستقبل ولذا لم تتحدث كمسبية أو مظلومة بل صدحت بكلمات الانتصار وبثقة عالية حيث قالت: " فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل ثم كد كيدك، واجهد جهدك، فو الذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا تدحض عنك عارنا، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد "(31) القسم الثالث : قصر الأمل و هو الحال الوسط بين طول الأمل وإنعدامه، وقد رجحته وحثت عليه الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليهم السلام) ؛ لأنه يجمع بين فضيلة الأمل و بين تجنب مساوئ طوله. فهو يحث الانسان على أن يعيش حالة الأمل ولا ييأس فيعمل ويثابر ويجتهد ويساهم في عمران الحياة الدنيا وفي الوقت ذاته يحثه على أن يقصر الأمل فيتصور أن الساعة التي يعيش فيها الآن قد تكون آخر ساعة من ساعات حياته وهذا ما يدفعه الى عمران آخرته، ومع ذلك فانّ الإنسان إذا فكّر في المستقبل تفكيراً جدّياً وبنّاءً فانّ هذا لا يعني أنه طويل الأمل خاصة إذا كان في سبيل الله بل سوف يعطى الأجر الجزيل، لأن هذا العمل مطلوب من الله (عز وجل)، وقد جاء عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنه قال: "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".(32) ودعا الى ذلك أبا ذر قائلا: " يا أبا ذر، أتحب أن تدخل الجنة قلت نعم فداك أبي. قال فاقصر من الأمل، واجعل الموت نصب عينك، واستح من الله حق الحياء " (33). محاسن قصر الأمل : 1 ـ التحلي بالأمل يدعو الى العمل: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله ): " الأمل رحمة لاُمّتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها ولا غرس غارساً شجراً "(34). 2 ـ الأمل مفجّر الطاقات: الإنسان يمتلك كتلة من الطاقات لا تحدّ آفاقها، ولا تحصى أبعادها، ومفتاح هذه الطاقات والقدرات هو الأمل، فهو وقود حركة الإنسان فقد روي إن عيسى بن مريم (ع ) بينما كان جالسا وشيخ يعمل بمسحاة ويثير به الارض، فقال عيسى (ع ): اللهم انزع عنه الامل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع، فلبث ساعة فقال عيسى (ع ) : اللهم اردد اليه الامل، فقام فجعل يعمل (35) 3 ـ الأمل علاج في المصائب والمصاعب : فالانسان المؤمن متفائل دوماً حتّى وإن واجه مئات الهزائم المادّية، لأن دينه يدعوه الى الأمل المرتبط بالله ( سبحانه وتعالى ) الذي يزكّي النفس، ويربّيها، وينمّي فيها الطاقات الخيّرة، ويمكنها من تجاوز المصاعب، روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام ): " اياك والجزع , فانه يقطع الامل، ويضعف العمل، ويورث الهم، واعلم ان المخرج في امرين: ما كانت فيه حيلة فالاحتيال، وما لم تكن فيه حيلة فالاصطبار" (36) . 4 ـ الأمل ينجي من الهزيمة: لا ينهزم الانسان خارجا الا بعد إنهزامه نفسيا، والهزيمة النفسيّة غالبا ما تنجم عن الأماني التي لا تتحقّق، والتي تنعكس على السلوك، وبالتالي تخلق الهزائم الحقيقيّة في الخارج، والنصر في هذه الحالة يتلخص في وجدان العزيمة في القلب أولا وتجسّيدها في الواقع عبر الحركة ثانيا وهذا ما يصنعه الأمل، لذا جاءت الآيات الكريمة تبعث الأمل في النفوس وتحثها على التصميم تحقيقا للنصر قال الله (تعالى): " وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً"(37). 5 ـ الأمل يعيد المذنبين الى خالقهم ويعينهم على التوبة: إذا ما أذنب المسلم فإن الشيطان يجتهد في جره الى إرتكاب المزيد من المعاصي والذنوب . فإذا ما انتبه الى عظيم ما جنته يداه و خطير عصيانه لبارئه و مولاه إجتهد الشيطان أكثر ليؤيسه من رحمة الله . فيكون الأمل حينئذ له كفارة النجاة الذي يخلصه من بحر اليأس والقنوط، قال (تعالى): " وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)" (38) 6 ـ قصر الأمل يذكر بالموت و يحث على الاستعداد للآخرة و قد روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله ): " من اصبح وامسى والاخرة اكبر همه جعل اللّه الغنى في قلبه، وجمع له امره ,ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه " (39) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) دروس في الأخلاق ج1 ص148 (2) مشكاة الانوار ج1 ص66 (3) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص87 (4) ــ(10) المصدر السابق ج1 ص218 (11) ــ (14) المصدر نفسه ج1 ص219 (15)عيون الحكم و المواعظ ج1 ص122 (16)المصدر السابق ج1 ص179 (17)بحار الانوارج90 ص330 (18)عيون الحكم و المواعظ ج1 ص133 (19)مشكاة الأنوار ج1 ص235 (20)يوسف 87 (21)ميزان الحكمة ج4 ص18 (22)عيون الحكم ج1 ص283 (23)ميزان الحكمة ج16 ص9 (24) عيون الحكم ج1 ص350 (25)ـ( 26)ميزان الحكمة ج3 ص27 (27) المعارج/19-22 (28)الانشراح 5و6 (92)المعارج/3-4 (30)ميزان الحكمة ج4 ص39 . (31)بحار الانوار ج45 ص165 (32)ميزان الحكمة ج2 ص18 (33)الأمالي للطوسي ج2 ص111 (34)ميزان الحكمة ج4 ص18 (35)ميزان الحكمة ج4 ص18 (36)ميزان الحكمة ج16 ص9 (37)الاسراء/81 (38)يوسف 87 (39)ميزان الحكمة ج2 ص14

منذ 5 أشهر
83

خطوات هادئة

اقترب وقت الغروب وقطرات ماء البحر المتناثرة مع أمواجه المتلاطمة تعكس خيوط الشمس الذهبية التي بدأت بالاحمرار على ذرات الرمل، لترسم لوحة من جمال الكون الأبدي... وفجأة، مع نسيم البحر بدأت تأخذها خطوات هادئة لتمسك بيدها، ولكن... إلى أين؟! بدأت هذه الخطوات بالتسارع والخفة، وكأنما أدخلتها في فقاعة مفرغة لتبعدها عن ضجيج الدنيا وصخبها... نعم، هي لم تعد تسمع شيئاً من أصوات الدنيا، إنه صوت أمواج البحر المتلاطمة فقط... وهذه القطرات التي امتزجت مع دموعها لتغسل قلبها وتنقّيه من درن الذنوب وسواد المعاصي، ليكون ناصعاً كبياض القطن وخفته، فتأخذه الرياح وتحلق به بعيداً عن عالم مادي... لكن... إلى أين؟! أغمضت عينيها وسارعت في خطواتها، فإذا بها تحلق في سماء صافية، لتعانق أنواراً كانت مختبئة خلف السحب البيضاء، أضفت على قلبها خيوطاً ناعمة من النور، الذي زال عنه بعض الحجب التي كانت تحول بينه وبين الشعور بعشق الخالق، لينعم بلحظات نورانية ليس لها مثيل في أرض الدنيا... نعم... هو شعور امتزاج روحها بل وتلاشيها في عظمة الله جل وعلا... هو شعور بالذوبان في العبودية المطلقة التي حرّرتها من قيود الدنيا، وطهّرتها من أوساخها، هو شعور خالطه حزن وسعادة وخجل، حزن على ما أفنت فيه عمرها، وسعادة بما أنعم الكريم عليها، وخجل لتقصيرها وإسرافها على نفسها وعنادها لبارئها... نعم، الشكر هو ما تحتاجه الآن، فبه تدوم النعم، ولكن أي شكر هذا الذي تستطيع أن تقدمه، فمهما كانت كلماتها نقية طاهرة صادقة نابعة من أعماقها، إلا أنها لن تبلغ غاية شكر خالقها... وفجأة وسط هذه الأجواء النورانية الملكوتية، داهمها صوت مزّق سكون روحها ،وأوقف جريان دموعها ليعيدها إلى عالم ما زال متمسكاً بها... أمي... أمي... أمي إلى أين أنت ذاهبة؟!

منذ شهرين
234

التعليقات

منتظر عبد الصاحب مهدي ماشاءالله

منذ 5 أشهر

جزاك الله خير الجزاء

رضا الله غايتي

منذ إسبوع

جزاك الله رضاه والجنة اخي

يتصدر الان

الأطفال وتكرار الأخطاء

لاشك أن الأطفال يعيشون في عالم يختلف عن عالم الكبار، فاللهو واللعب جزء أساسي من عالمهم الجميل، وهذا ما لا يمكن أن نفهمه إلا إذا تذكّرنا أيام طفولتنا، ومن ذلك أنهم يتعرضون لمواقف عديدة يعجزون عن التصرف فيها بشكل مناسب، فيقعون في الخطأ وتتكرر أخطاؤهم، فيُصاب الأهل بالإحباط وخيبة الأمل ويفقدون الشعور براحة البال وتسوء حالتهم النفسية، وهنا يجب أن يفهم الأهل أن عملية التربية وتعليم الطفل وتوجيهه تقع على عاتقهم وهي من واجباتهم الشرعية والأخلاقية، ومهما بذل الوالدان من اهتمام في هذا المجال فلا يمكنهما أن يمنعا أطفالهما من ارتكاب الأخطاء، فالأطفال كثيروا الخطأ بسبب: ١- ضعف إدراكهم ووعيهم للأمور والنتيجة عدم حساب عواقب الأفعال بشكل صحيح. ٢- عدم قدرتهم على السيطرة على نزواتهم ورغباتهم بسبب ضعف الجهاز الإدراكي (الهادئ) وسيطرة الجهاز المثير. فعملية تعليم الطفل لضبط النفس تحتاج إلى جهد جهيد ووقت طويل ومعرفة بأساليب التربية ومتطلباتها. إذن نستنتج من ذلك أن وقوع الأطفال في بعض المشاكل والأخطاء شيء طبيعي جداً، ويجب على الأبوين استيعاب ذلك والتفكير بطريقة تُعلم الأبناء لمهارة ضبط النفس! وهذه المهارة يمكن أن يكتسبها الأطفال من أخطائهم بواسطة التجربة فيتشكل لديهم مانع يمنعهم من إعادة الخطأ وتكراره بمرور الزمن، نعرف من ذلك أن وقوع الأطفال بالخطأ يُعلمهم مهارة ضبط النفس عن طريق اكتسابها بالتجربة، وأيضاً توجد طريقة تعتبر هي الأساس في تعليم الأطفال ضبط النفس وعدم وقوعهم في الخطأ وهي (أسلوب الوالدين أمام أبناءهم) فإذا كان الأبوان يمتلكان ويتمتعان بمهارة التحكم في الذات فإن هذا يولِّد انطباعاً لدى الأبناء بالسلوك الحكيم المتزن، فالمهارات الأساسية كضبط النفس وطريقة التحدث مع الآخرين والاستماع لهم يكتسبها الأبناء من آبائهم وأمهاتهم وممن يعيشون معه من أعمامهم وأخوالهم، فالتأثير يمتد عن طريق الوراثة وعن طريق التأثر بالسلوك الفعلي الذي يشاهدونه أمامهم، إذن متى نحاسب الأطفال على أخطائهم؟! في أي وقت من أعمارهم؟! ذكرنا أن بعض الأخطاء مسموح بها لأن الطفل في طور التعلم من أخطائه وهو تحت عمر السبع سنوات كما ذكره الحديث الشريف: (الولد سيد سبع سنين) فالسيادة معناها احترام شخصية الطفل وفكره والتوسيع عليه والسماح له بالحرية ليعيش طفولته، فيتم بذلك إشباع رغباته النفسية والمادية فيكون سيداً على ذاته وهذا مايرفع تقدير الذات لديه، فترتفع ثقته بنفسه وهذا هو المطلوب في بناء شخصية الطفل بشكل سليم، أما في مرحلة السبع سنوات الثانية من (٧_١٤) سنة فتكون مرحلة امتداد للسنوات السبع الأولى، فكلما حصل الطفل على احتياجاته النفسية (كالحب والأحترام والآمان والتقدير والقبول) فإن حصيلة ذلك هي دخول الطفل في الطاعة والانقياد لأوامر الوالدين في سنواته السبع الثانية (وعبد سبع سنين) وهنا يكون الطفل في هذه الفترة مستعداً للطاعة والامتثال للأوامر التي تكون في صالحه ولمستقبله، وهذه السنوات تكون مكملة للسنوات السبع الأولى والتي يكون فيها الطفل أكثر إدراكاً ومعرفة في فهم توجيهات الأهل، فالطفل في سنواته السبع الثانية يكون انعكاساً وامتداداً لسنواته السبع الأولى، فكما أعطى الأب سيُعطي الابن بنفس المقدار أو أكثر، وهنا تكون سلسلة مترابطة من الأخذ والعطاء تتمثل في سنواته الثالثة (من ال ١٤_ ٢١) والتي ذكرها الحديث الشريف (ووزير سبع سنين) ومعنى ذلك أن يؤخذ برأي الولد عن طريق الاستماع والاستشارة فيما يخص أمور البيت وأموره الخاصة ليشعر بمكانته ومنزلته في قلوب أهله، بهذه المراحل الثلاثة فإننا نقوم ببناء شخصية الولد بشكل يناسب الحياة ومتطلباتها، وبالتالي بناء جيل يواكب المرحلة بحداثتها، فالأسلوب السليم للأبوين ينتج جيلاً واعياً، يعرف مسؤولياته جيداً. وختاماً فإنه يجب على الأبوين أن لا يطلبوا المثالية من الأبناء ولايحاسبوهم على توافه الأخطاء التي يرتكبونها، فالأطفال يتعلمون من أخطائهم إذا شعروا بحرية التصرف، أما مع المراقبة الكثيرة والتربص بهم فسيقعون في المشاكل ويكررونها بسبب عدم شعورهم بالثقة من أهلهم، فيحاولون عدم اقتراف الأخطاء فيقعون فيها مما يسبب لهم شعورا بعدم الاستطاعة على فعل الصواب، لذلك توجب غض النظر عن بعض الأخطاء التي تصدر منهم وتوجيههم بشكل لايشعرهم بالتحقير والتجريح لكي يتمكنوا من النهوض من جديد.

منذ شهر
1480

من يتحكم بمن؟ الأم هي القائد أم التابع؟

يجب أن تأخذ الأم دورها بشكل يعزز من هيبتها وسلطتها وقوتها في إدارة الأسرة في ظل غياب الزوج وانشغاله بأمور العمل، فالأم القوية تستطيع أن تتعامل بأسلوب الحب والحزم في آن واحد، فالموازنة بين العقل والمنطق هي روح الأُسر السعيدة التي تتميز بتبادل الاحترام والمحبة والانسجام ، ولكن تقع كثير من الأمهات فريسة سهلة لأساليب الأطفال المزعجة، كالبكاء والعويل والصراخ وكثرة الطلبات والإلحاح، وهنا تبرز الأم الواعية والمدركة لخطورة الموقف عن تلك التي تسقط أمام أساليب أبنائها الماكرة، وإذا استجابت الأم لطفلها بعد ان تترقرق دموعه وعلا صياحه فإن الطفل سيستخدم هذا السلوك في كل مرة، فهو قد نجح في إرغام أمه لمتطلباته ورغباته، وأصبحت الأم أسيرة لطفلها الهائج، وسيستمر في التمرد والتطلبات لاحقاً ويزداد أنانية وغروراً، فالخطأ الذي وقعت به الأم كبير جداً، لذلك فإن القيادة هنا أصبحت بيد الطفل الذي لايحسن استخدامها وتوضيفها بالشكل الصحيح، وستكون أمه تابعة له في كل مايريد ومايطلب، وتكون تحت إمرته في كل لحظة وكل دقيقة، وكل ساعة وإذا قال: أمي؟ قالت: مابك ياحبيبي؟ مالذي يوجعك يافلذة فؤادي؟ وبالتالي شعور الطفل بالاعتداد بالنفس والزهو يجعل الطفل يشعر بأن حياة الأم لايمكن أن تستمر بدونه، لذلك فإن الشعور الذي يخالجه هو أن من حقه أن يطلب اي شيء، فالأم حياتها له ومن أجله، وهذا مايسبب للطفل مستقبلاً عقدة الشعور بالحقارة عندما يصطدم مع الأصدقاء ومع المجتمع ويطلب ولا سَيُجاب له. أيتها الامهات الفاضلات، لاتتعاملن مع أولادكن بهذا الأسلوب الذي يجعله يشعر بأنه أمه مجرد خادمة له، تطبخ له الطعام، تغسل ملابسه، تصفف شعره، تلبسه حذاءه، تفرش له فراشه قبل أن ينام وهو ابن الأربع سنوات، هذا الشعور الذي سيصاحب الولد طيلة أيام طفولته سيجعله يحتقر المرأة التي عاش بين ذراعيها ويجعله ينظر إليها نظرة احتقار وازدراء، وهو ماجعل بعض المجتمعات مجتمعات ذكورية تتعامل باستخفاف مع المرأة، وجعل الولد يستخف بحقوق أخواته ويمنعهن من الزواج بحجة أنه ذكر وهن أناث! أدعوكن أيتها الأمهات إلى أن تراجعن سلوككن مع أولادكن وتحسبن لهذا الموضوع حساباً قبل فوات الأوان، دعي ابنك يعاني بعض الشيء، فإذا سقط فلا تركضي له وتساعديه على النهوض، اتركيه يعاني ويعتمد على نفسه في محاولة مساعدة نفسه ومعاونتها. فما يقوي شخصية الأبناء هو ترك المجال لهم في خوض تجارب الحياة، فالمصاعب هي من تكسب الإنسان القوة والعزيمة والاصرار. فلا تجعلي أبنائك يحصلون على كل مايريدون بسهولة فإن في ذلك ضياع لأهمية الأشياء وفقدان لقيمتها ورونقها وهيبتها. لاتتعاملي بأفضلية مع الأولاد فينشأ لديهم شعور بأفضليتهم من ناحية الجنس على أخواتهم. تعاملي مع الجميع بعدالة واتركي المجال لأطفالك بالخطأ، ولاتفعلي مايستطيع ابنك فعله بنفسه، فإن في ذلك قتلاً لشخصيته وثقته بإمكانياته، فالإمكانيات تُقتل عندما نقدم ونفعل أشياءً لأبنائنا هم يستطيعون فعلها بأنفسهم ولكننا لا نترك لهم المجال في التجربة، فاعتادوا علينا واستسهلوا ذلك. فإياكم ثم إياكم أن تجعلوا أطفالكم المحور الذي تدورون حوله، وإنما تعاملوا معهم من منطلق الرعاية الوالدية السليمة ومن الله التوفيق والسداد.....

منذ 3 أشهر
1362

الدلال وأثره السلبي على شخصية الطفل

يقع الكثير من الآباء والأمهات في اخطاء كبيرة عندما يلبّون كل رغبات اطفالهم ولا يرفضون لهم طلباً، معتبرين ذلك جزءً من الحب الصحيح الذي يقوي روابط المحبة بينهما، بل يعجز البعض عن رفض اي طلب مهما كان نوعه بحجة عدم كسر نفسية الطفل. إن تصرف الأب او الأم هنا إنما هو صادر عن طريق العقل اللا واعي الذي يستجيب للأوامر نتيجة انعكاس حالة شعورية عاشها الأب أو الأم في ايام طفولتهما، وهذه الحالة يمكن ان تكون بسبب الحرمان الذي مرّ به الأبوان، فهما لا يريدان لطفلهما ان يعيش او يشعر بما شعرا به وعاشاه أيام طفولتهما فيحاولان التعويض لحرمانهما عن طريق تلبية كل رغبات الطفل، وهنا المصيبة والطامة الكبرى، فالأولاد يتمادون في كثرة الطلبات وخصوصاً اذا لمسوا ضعفاً من والديهم في عدم رفض طلباتهم وتلبية نزواتهم حتى وإن كانت خاطئة وفيها أضرار مستقبلية وآنية. فمن الخطأ الكبير أن نعود الاطفال على تلبية كل ما يفكرون فيه وكل ما يرغبون به بحجة الحب ، فهذا يعتبر من الحب الخاطئ الذي يجعل الابناء يتحكمون بالآباء ويسيطرون عليهم ويقودونهم، مما يضعف مكانة الاب والأم. فترى كثيرا من الآباء والامهات يخضعون ويتوسلون لأبنائهم من اجل كسب رضاهم ، وهذا ما يشكل خطرا عظيما على مستقبل الأسرة ويهدد كيان المجتمع. وتبدأ صفة الانانية لدى الابناء بالظهور والنمو بسبب الدلع والدلال ، وتولّد لديهم شعور بعدم المسؤولية اتجاه أنفسهم واتجاه أسرهم ومجتمعهم. فهو لا يبالي الا بتوفير طلباته واحتياجاته ، فترى البعض من الاطفال يتمادى في الصياح والبكاء بوجه ابيه او امه اذا قوبل طلبه بالرفض ، بل يصل الحال الى الزعل ومقاطعة الاهل بعدم الحديث معهم ، من اجل الضغط عليهم في توفير كل طلباته، وهنا يسارع الاهل بتلبية رغبات طفلهم المدلل الذي بدأ يشعر بان من حقه ان يطلب ما يشاء وما يرغب. بل نلاحظ ان البعض من الاباء يقوم بشراء سيارة لولده وهو في سن الثانية عشرة، ظناً منه ان هذا يعد جزءً من الحب ، مما يدخل نفسه في دوامة من المشاكل العديدة اولها مشاكل الحوادث واصدقاء السوء والمصلحة الذين يستغلونه... اذن وجب على الأهل والحالة هذه توفير احتياجات الطفل الضرورية والمهمة والتي لاتعد اسرافا ولا بذخا لكي لا يعتاد الطفل على التبذير وتكثر طلباته بدون مبرر، فاذا كان لديه ملابس لابأس بها فلا داعي لشراء ملابس جديدة بمجرد ان يطلب الولد ذلك ، بل يجب ان نوفر له باعتدال ، ونرفض ما نراه غير مناسب وغير ضروري ، وهنا سيفهم الطفل ذو السبع سنوات والعشرة سبب الرفض ليتشكل لديه مفهوم ما هو ضروري، ويكون قنوعا بما يطلب من حاجات تكون مناسبة لشأنه مع أقرانه ومع وضع عائلته الاجتماعي. إن من سلبيات تدليل الاطفال هو:_ ١:_يدفع الاطفال الى البكاء والعويل بمجرد رفض طلباتهم.. ٢:_يجعلهم غير مسؤولين ولا يتحملون نتائج اخطائهم مما يدفع بالأهل إلى الدفاع عنهم في اغلب الاحيان وحل مشاكلهم.. ٣:_يضعف شخصية الطفل ويجعله اتكالياً وغير مبالي بإتعاب والديه.. ٤:_يلقي بأخطائه على الاخرين وعلى الزمن . ٥:_تنمو لديه صفه الانانية والغرور ... ٦:_لا يقبل عذر والديه إن عجزا عن توفير ما يريد اذن بعد ان عرفنا مضار تدليل الابناء وجب علينا ان نقدم لهم الحب باعتدال وبدون مبالغة ، فكل شيء يجب ان نوفره لهم يجب ان يكون باعتدال وباتزان لكي يكون الاطفال متزنين ومعتدلين في كل شيء، في تصرفاتهم وفي طلباتهم ، والابناء يتشكلون وفق طريقتنا في التصرف معهم، فلنختر طريقة مناسبة في التعامل معهم تدفعهم الى فهم متطلبات الحياة بشكل واقعي غير مبالغ فيه.. ومن الله التوفيق قاسم المشرفاوي

منذ إسبوع
1280

الفتاة وسن التكليف

"مريم" فتاة احب الحياة و الحرية والهدوء .. تغمر قلبي السعادة حين أرى الفراشات تطير... أو أشم عطر زهرة أو أرى طيف الشمس بعد نزول قطرات المطر في صغري... ان لم تخنّي ذاكرتي... إني كنت لحوحة... وأسأل والدتي عن أي شيء أراه أو أواجهه في حياتي.. اليوم هو 1999/09/09 وأنا في السابعة والنصف من عمري... مسبقاً تمت دعوتنا إلى بيت خالتي فهذا اليوم هو كما أسمعهم يقولون هو يوم بلوغ ابنت خالتي ( نور ) سن التكليف .. وصلنا والكل حاضر ومن بينهم بنات عماتي وأعمامي وخالاتي.. والجميع مبتهج وفرح وأنا لا أعلم ما السر في الموضوع!!! ولمَ فرحون؟ وماذا يعني البلوغ؟ أو سن التكليف؟ وبعد بضع دقائق بدء الحفل والجميع حاضر وجاءت بنت خالتي الكبيرة ومعها أختها( نور ) وهي متوجة بتاج من الورود البيضاء ومرتدية بدلة بيضاء، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة، وكأنها شمس وأشرقت على الحضور، أنشدت بعض الحاضرات الأناشيد... والكل يهنئ ( نور ) ويهدي لها الهدايا. قدمت لها والدتها القرءان هدية ... قبلته ( نور ) ووضعته على جبهتها وهي مسرورة .. قدمت الحاضرات ما أحضرنَ معهن من هدايا بسيطة وجميلة... وكل واحدة أخذت دورها في همس كلمة في اذنها واحتضانها وهي مبتسمة وفرحة ... ومن جملة ما قالوه لها إنه يجب عليها أن تتفقه في دينها .. وتؤدي واجباتها كي تنال الجنة .. وتلتزم بحجابها وتحافظ عليه .. وانا أراقب عن كثب وأتمنى لو كنت أنا مكان ( نور ) .. وبعد أن عدتُ مع والدتي للبيت .. سألت والدتي .. مجموعة من الأسئلة .. ومنها .. ماذا يعني البلوغ؟ وما هو سن التكليف؟ وماذا تقصدون بالتفقه؟ ولماذا وتقولون لها أن تلتزم الحجاب وهي ملتزمة به فعلاً؟... ولماذا نقيم هكذا احتفال؟ ووو ... ومتى أكون أنا بالغة ومكلفة؟... وبابتسامة رقيقة وبنبرة حنينة أجابتني أمي عن تلك الاسئلة .. ففهمت بعض الإجابات ولم اعِ البعض الآخر... وأنا اتساءل مع نفسي في كل يوم عن هذه الأمور الخفية لدي .. الى ان جاء يوم 2001/05/30 .. وفي ذلك اليوم قالت لي والدتي اليوم سيأتي إلينا أقاربنا في زيارة .. ولم اسأل والدتي عن سبب الزيارة لكنني فرحت لقدومهم... وبعد ساعة جاء الضيوف وعلى وجوههم الابتسامة .. ولم أعلم ما سبب المجيء... طلبت مني ابنة عمتي أن أصطحبها إلى غرفتي... ففعلت... وحين وصولنا الغرفة أخبرتني بأن اليوم هو يوم تكليفي... لأني في هذا اليوم قد صرت في سن البلوغ .. ففرحت كثيراً لعلمي أن الحضور اليوم هو من أجلي .. فناولتني والدتي ثوباً أبيض لإرتديه ووضعت الورود على رأسي وبدأ الحفل... وفي تلك اللحظة ذهبت أعماق ذاكرتي ولم أعد أسمع من حولي وأنا تائهة في تفكيري وأتساءل مع نفسي... ماذا؟ ولمَ؟ واي شيء؟ ووو... فكل شيء طرحته على نفسي كسؤال .. وفي ذلك اليوم فهمت بعض ما لم أدرك معناه من أمي قبل سنتين تقريبا .. ففهمت أن البلوغ هو : إكمال التسع سنين هلالية... ويعتبر في الإسلام بداية للكثير من الأحكام لأن البلوغ هو بداية مرحلة مسؤولية الفرد عن أفعاله.. وعرفت أن التكليف هو: تشريف من اللّه‏ عز وجل للإنسان وتكريم له؛ لأنّه يرمز إلى ما ميّز اللّه‏ به الإنسان من عقل، وقدرة على بناء نفسه، والتحكّم في غرائزه، وقابليته لتحمّل المسؤولية خلافاً لغيره من أصناف الحيوانات، ومختلف كائنات الأرض، فإنْ أدّى الإنسان واجبَ هذا التشريف، وأطاع وامتثل شرّفه اللّه‏ عز وجل بعد ذلك بعظيم ثوابه، وبملكٍ لا يبلى ونعيمٍ لا يفنى، وإنْ قصّر في ذلك وعصى كان جديراً بعقاب اللّه ‏عز وجل وسخطه؛ لأنّه ظلم نفسه، وجهل حقّ ربّه، ولم يقم بواجب الأمانة التي شرّفه اللّه‏ بها، وميّزه عن سائر المخلوقات.. وفهمت أن التفقه هو: معرفة وتعلمٌ العلم الذي يكون مَدار البحث فيه مُختصّ بالأحكام الشرعية، فالأحكام الشرعية عدّة أنواع بناءً على مبناها؛ فبعض الأحكام تدل على الطلب والأمر الجازم، وبعض الأحكام تَدل على طلبِ فِعل تَخييراً لا أمراً، وبعض الأحكام ليست اقتضاءً ولا تخييراً بل وضعاً، وهذه الأحكام مصدرها الأدلة التفصيلية التي تصلح أن تكون دليلاً شرعياً مقبولاً في الشريعة الإسلامية... ويعتبر التفقُّه في الدين حصن العامل وملاذه والخلفية الدينية والقانونية التي ينطلق منها، والجبل الراسي الذي يستند إليه في كافة قراراته وأفعاله، لأنه من الطبيعي أنّ ترك التفقّه في الدين سيؤدي بالعامل إلى أن يكون محكوماً للأهواء والمزاج وبعض الأعراف الخاصّة والسلوكيات العرفية والتشبه بالآخرين وسوى ذلك من المصالح والاستحسانات التي لا يمكن أن تشكّل نوعاً من الخلفيات الثقافية. وفهمت أن الالتزام بالحجاب هو: ليس مجرد وضع عباءتي على رأسي وعدم إظهار الزينة أمام الشخص الأجنبي لكن الالتزام بالحجاب هو أرقى من ذلك... هو حفاظ البنت على رزانتها وجدية شخصيتها أمام الآخرين... مع أداء جميع مسؤلياتها و واجباتها على أكمل وجه...

منذ 5 أشهر
1141

ضرب الأطفال وأضراره

يعجز البعض من الآباء والأمهات عن علاج الأزمات بين الأطفال إلى الخروج إلى المألوف السلبي المتداول في المجتمع، ألا وهو استخدام الضرب والقسوة مع الأبناء بحجة التربية وتعديل السلوك، متناسين قول النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ): "ماكان اللين في شيء إلا زانه"، وقوله أيضاً: "أكرموا أولادكم وأحسنوا إليهم"، ولو بحثنا عن بعض الأسباب التي دفعت الأهل لتبنّي الضرب في التعامل مع الأبناء لوجدنا أن أول الأسباب هي: الطريقة والأسلوب التي تم التعامل بها معهم في أيام طفولتهم عندما كانوا صغاراً وشباباً، فتجذّرُ هذا الأسلوب العدواني في عقول الأهل كان السبب لاستخدامه الآن مع الأبناء، فبعض التصرفات التي صدّقها العقل الواعي وتبنّاها لأيام وسنين طوال قد تعامل معها العقل اللاواعي على أنها من المسلّمات التي لاتقبل الشك بل إنها من اليقين الذي لاريب فيه، ويغفل هؤلاء الآباء والأمهات عن سلبيات هذا الأسلوب القاسي المعارض لأحكام الله تعالى وسنة نبيه الكريم، وأحكام العقل القويم فضرب الأبناء يقطع العلاقة الروحية بين الأهل والأبناء ويُبدّد أواصر المحبة، ويفكّك الروابط الاجتماعية والانسجام، مما يدفع بالأسرة إلى التشتّت والضياع. وقد يتوهم البعض أن التربية الحديثة الغربية هي من دعت وروجت إلى ترك أسلوب الضرب والقسوة مع الأبناء، وهنا نؤكد أن الإسلام المحمدي الأصيل هو أول من وضّح الموقف الشرعي اتجاه هذه الظاهرة، لأهميتها في بناء المجتمع، فدعى الآباء والأمهات إلى استخدام أساليب بنّاءة في التعامل مع الأبناء تُسهم في زرع مبادئ الألفة والمحبة داخل الأسرة الواحدة، وبالتالي تكوين مجتمع قائم على أسس صحيحة، وهذا ما أراده الإسلام من الناس من أجل الوصول إلى السعادة، وتجنّب كل أنواع المعوّقات التي من شأنها أن تقضي على كيان الأسرة المسلمة. سلبيات ضرب الأطفال: يمكن أن نذكر بعض سلبيات الضرب من أجل دفع الآباء والأمهات إلى تجنبها وعدم الوقوع فيها وبالتالي: ١ـ إن الضرب أسلوب انهزامي، ويدلّ على عدم قدرة المربّين على السيطرة بالشكل الإيجابي على الموقف، وبالتالي فهو يدل على ضعف شخصية المربي لا قوتها، فاستخدام الضرب مع الأبناء سيكون له أثر وقتي وسيزول باختفاء عامل الخوف (الأب او الأم أو المعلم ) مما لا يجعل الأطفال يؤمنون بهم كمربين ومسؤولين يمكن اتباعهم والأخذ بكلامهم، وبالتالي يفقدون عناصر القوة في تأثيرهم على الصغار، ناهيك عن مشاعر الكره التي يضمرها الصغار للكبار بسبب عدم احترامهم وتقديرهم... ٢ـ إن الرسالة التي يفهما الأبناء من الضرب هو أن العلاقة الأبوية تعتمد على القوة البدنية التي يتمتع بها الكبار الآن مقابل ضعف جسد الصغار وبالتالي فإن هذه العلاقة ستتغير بمرور الزمن وسيتبدل الحال وتختلف الأحوال فالقوي يصبح ضعيفاً والضعيف قوياً، ومن الممكن جداً أن يستخدم الأبناء في أيام شبابهم بعد أن فُتلت عضلاتهم وقوي عودهم نفس الأسلوب الذي اتبعه الأهل معهم، أي إن الأبناء سيستخدمون الضرب وعدم احترام ذويهم لأنهم لم يتلقوا الأسلوب الأمثل في التربية أيام صباهم وهذا شيء وارد جداً وقد حدث ويحدث في مجتمعنا كما نسمع هنا وهناك، وهذا مايوصل بعض الأبناء إلى عقوق الآباء، فعدم الشعور بالحب والحنان والعطف في أيام الطفولة يدفع الأبناء إلى عدم الإحساس بالمشاعر اتجاه آبائهم وأمهاتهم مما يسبّب العقوق وانقطاع العلاقة الإيجابية... ٣ـ إن استخدام الضرب يخلق أبناءً انقياديين لكل من يكبرهم سناً أو يفوقهم قوة بدنية، مما يفقدهم القدرة والاستطاعة في الدفاع عن أنفسهم، بسبب شعورهم الداخلي بعدم القدرة على الدفاع عن أنفسهم... ٤ـ أن من أضرار الضرب أيضاً أنه يخلق الجبن والخنوع في نفوس الأبناء. ٥ـ ومن أضراره أيضاً هو انخفاض تقدير الذات وتشويه الصورة الذاتية للأطفال، أي إن الطفل ينظر لنفسه على أنه إنسان ناقص غير سوي فاقد لأبسط مكونات الشخصية، ألا وهي تلقي الاحترام واستحقاقه من الآخرين، وبالتالي تكوين مفهوم سلبي عن الذات مما يؤدي إلى الشعور بالتفاهة والحقارة... ٦ـ من إضرار الضرب هي صناعة أبناء عدوانيين وتشكيل شخصية مجرمة ناقمة على المجتمع بسبب المعاملة السيئة التي تلقّوها في أيام طفولتهم، وهنا توجّب على الأبوين أن يُحسّنا المعاملة مع أبنائهم من أجل الحفاظ على النسيج الأسري والمجتمعي... هذه بعض السلبيات الناتجة عن استخدام أسلوب الضرب مع الأبناء، وهنا فيتوجّب على الآباء والأمهات الرجوع إلى الأسلوب الأمثل في التربية، والذي ذكره الله تعالى وحثّ عليه الرسول الكريم وأهل بيته الكرام، فقد سأل أحد الأشخاص الإمام الصادق (عليه السلام) عن ضرب الأطفال بسبب مشاكستهم، فردّ عليه الإمام (عليه السلام): لا تضربه واهجره ولا تطل. وقد بيّن لنا الإمام درساً تربوياً لكل المربين والمهتمين بأمور الأسرة وهو استخدام أسلوب (الهجران) بدل الضرب، وهو من الأساليب الناجعة والتي تجعل الأبناء يشعرون بأخطائهم ويحسبون حساباً لتصرفاتهم، فالهجران شعور نفسي يسبّب ألماً للأطفال وبالتالي يعطي درساً تربوياً في تعديل السلوك بشكل إيجابي، وقد ذكر مع الهجران عدم إطالة مدة (الزعل) لكي لايسبّب جرحاً نفسياً عميقاً في نفوس الأبناء ويخرج عن تأثيره الإيجابي، فمضمون الهجران هو أن نجعل الطفل يشعر بالخطأ الذي فعله، وليس جعله يتألم بشدة، وبالتالي فإن استخدامنا للهجران بالشكل الصحيح يوصلنا إلى نتيجة بنّاءة تساعد في بناء هيكلية شخصية الأبناء بشكل سليم... ولايخفى علينا أن الحكم الشرعي الذي ذكره علماء وفقهاء المسلمين بخصوص الضرب هو وجوب الدية الشرعية على الضارب في حدود معينة. فاحمرار الجلد يستوجب دية تختلف عن ازرقاق الجلد واسوداده. وقد أفتى الفقهاء بجواز ضرب الأبناء بمقدار ثلاث ضربات على أن لاتصل إلى حدّ الاحمرار بشرط التأديب لا التشفي، وهذا الأمر منوط بأمر الولي حصراً ولاجواز لغيرهم في الضرب حتى لايحق للأم بهذا... ولو احتكم الناس إلى قوانين الله تعالى وتعاليم النبي العظيم لما وصل بنا الأمر إلى هذا الانحلال وهذه الفوضى المجتمعية. ولكن يبقى الأمل في إصلاح شأن هذة الأمة بإصلاح شأن الأسرة والعناية بها من قبل الأبوين... ومن الله التوفيق

منذ 3 أشهر
1125

قوة الكلمة

أنا غبي! أنا فاشل! هكذا كان يردد حسن مع نفسه هذه الكلمات؟ كنت منتبها له لأنه كان أكثر التلاميذ حزناً، وكان شارد الذهن ، ولا يرغب بالدراسة، كنت مهتماً لأمره لعلني أقع على سبب حزنه وانكساره النفسي والدراسي؟ فعندما أطلب منه أن يشاركنا في الحل يبقى واقفاً وصامتاً لفترة ويقول: أنا غبي وفاشل يا أستاذ؟ -يقولها والدمع يترقرق في عينيه! والحسرة والألم ينبعثان من صدره!- فما تقوله ليّ أمي صحيح، فأنا لا استطيع النجاح لأنني غبي ولا أفهم شيئاً! قلت له: يا ولدي ويا عزيزي، لا يوجد شخص غبي وفاشل! فالله تعالى وهبنا العقل وباستطاعتنا استعماله بشكل صحيح، فالإنسان قادر على النجاح وفعل المستحيل، وأنت قادر على ذلك يا فتى! ابتسم الطفل ابتسامة الفرح والاستغراب، وكأنه وقع بين التصديق وعدمه! كررت العبارة مرة أخرى للتأكيد وقلت له: نعم، أنت تستطيع أن تنجح أنا متأكد من ذلك، بل وواثق منك وستفعلها! بكلمات بسيطة استطعت أن أُعيد له بصيصاً من الأمل والحياة! نعم، إنها الكلمة الإيجابية يا سادة؟ فكلمةٌ تبني... وكلمةٌ تهدم!! بعد أيام التقيت به مرة أخرى وسألته عن أحواله الدراسية فقال: استطعت النجاح بمعدل متوسط في مادتي العربي والرياضيات بعد أن كنت راسباً بهما. فقلت له: ألم أقل لك أنك تستطيع النجاح؟ إيمانك بنفسك وبقوتك الداخلية هي من أعادت لك الأمل؟ فقال الولد: إنها كلماتك يا أستاذي التي غيرت من نظرتي حول نفسي، فأنا كنت انظر لنفسي بأنني لا أستطيع أن أفعل أي شيء، بل كنت قد كونت تصوراً سلبياً عن ذاتي، فأنا طوال هذه الفترة انظر لنفسي على أنني إنسان غبي وفاشل، فكثرة ما ترد هذه الكلمات على ذهني جعلتني أصدق بأنني غبي وفاشل ولا أنفع لفعل شيء صائب! ولكن يا أستاذي عندما رجعت إلى البيت وأنا فرح ومسرور بنتيجتي التي حققتها في الامتحان، استقبلتني أمي وقالت لي : أكيد إنك راسب في الامتحان اليوم! فأصابني الحزن والإحباط وفقدت الأمل من جديد، فأمي دوماً تُكسر أحلامي وتبدد آمالي وتجعلني أشعر بالأسى على نفسي. قلت له: لا عليك، أمك لا تُحسن استخدام الكلمات، هذه قدرتها ومعرفتها، فهي تحاول مساعدتك ولكن بأسلوب خاطئ، فهي تظن أنها بكلماتها هذه تستطيع أن تحفزك نحو الدراسة، ولكنها تعمل العكس تماماً. ما عليك فعله هو أن تثق بنفسك وتؤمن بها وتتوكل على الله تعالى فهو حسبك يا فتى. ودعته هذا اليوم وأنا مبتسم، وقبل أن أخرج من الصف أهديت له كتاباً بعنوان ( تستطيع، إذا اعتقدت أنك تستطيع) ففرح به كثيراً وبادلني ابتسامة الواثق من نفسه. فإليكِ أيتها الأم، وأيها الأب العزيز، عليكما أن تُحسنا اختيار كلماتكم وعباراتكم مع أبنائكم، فللكلمة قوتها وتأثيرها، فبها نرفع أبناءنا وبها نحطمهم. فالمدح هو أسلوب الناجحين، فكن ناجحاً في أسلوبك وخطابك اتجاه أبنائك. وابتعد عن أسلوب العاجزين، فالنقد السلبي يسبب الألم ويدفع الأبناء إلى الفشل، فالطفل يُصدق ويعتقد ما يسمعه منا، فلا تجعله يسمع منك إلّا الجميل والحسن، فابتعد عن إطلاق الألقاب والعبارات التي تسبب لطفلك الانكسار والشعور بالفشل، وشجّعْه وأجعله موضع ثقتك، فالطفل يطمح أن يكون عند حسن ظن أهله به، فكن عند حسن ظن أولادك، فبهذا تستطيع أن توصلهم إلى القمة... فللكلمة تأثيرها... قاسم المشرفاوي

منذ شهرين
1004