المؤثرات القبلية في قراءة النص الديني

المؤثرات القبلية في قراءة النص الديني أثقل كفةً في ميزان التأثير على نتيجة الفهم البشري، إذ عملية الفهم تمر بمقدمات إن لم تضبط وتنظم بما لا يرمينا بعيدًا عن المراد الجدي للنص، فستوجَّه عقولنا أوتوماتيكيًّا لما تفرضه علينا المواقف، والاتجاهات، والمذاهب، والمباني القبلية، إلى ولادة مسخ لا ينتمي نوعًا للمعاني الحقيقية للنص، فلابد إذًا أن نستقرئ أنواع القراءات لانتخاب القراءة المناسبة لتطبيق العدالة العلميَّة تجاه هذه النصوص المقدسة.
إذن فموضوع مقالنا هو المؤثرات القبلية لقراءة النص الديني، لا النص الديني نفسه، ولا موانع فهم النص الديني، والنصوص الدينية أعم مطلقًا من كونها قرآنًا أو سنةً، بل أعم من كونها قرآنًا أو توراةً أو إنجيلًا، إذ نعني به كل ما صدق عليه ولو فرضًا أنه نص ديني، فما هي هذه المؤثرات بحسب الاستقراء؟
بعد أن استقرأنا المؤثرات لاحظنا أن بعض المؤثرات أعم من الأخرى، وبعضها مباينة للآخرى، وكذلك توجد ما لا يمتنع اقترانها مع غيرها في قراءة واحدة، ونذكرها بالترتيب مع محاولة شرح وبيان تأثيرها على القراءة المعنية، وسنسمي كل واحدة بالقراءة الكذائية نسبة إلى التأثير الذي يتحكم بها، والقراءات هي:
1- القراءة الإسقاطية (قصد الهدم): وهي الدخول لقراءة النص الديني بتأثير هدف وغاية إسقاط المحتوى والأساس الديني، ومن المعلوم أن هكذا قراءة لن تكون إنصافيةً أبدًا، ومن الطبيعي أنها ليست باحثةً عن الحقيقة بل لهدف إسقاط الطرف المقابل، فليست قراءة علميَّة مطلوبة، البعض ينظر للحركات الاستشراقية بهذه النظرة، أي أنها تدخل لقراءة المحتوى الديني في الشرق قراءة إسقاطية لا لتقرير الوضع الديني فيه، أو إنصافه، أو تقويمه، وعلى فرض صدق هذه النظرة فهي مصداق من مصاديق هذه القراءة السلبية.
2- القراءة السطحية: وهي قراءة النص الديني بلا تدبر، أي استطعام القشر دون اللب، وقد تكون لحجاب معنوي ما يمنعه منه، أو لا، هو غير متعلم، أو غير مطلع على كيفية الفهم، أو لم يدرس مقدمات فهم النص الديني، أو الوسائل التي تعين على ذلك، فيمر على النص ويلتقط أسرع الاحتمالات الظاهرة من سياقات النص إلتقاطًا لا ضامنًا بصحته، فيولد عندئذ من التزاوج بين أجنبية الصنعة وفقدان مكنة التدبر معنىً مشوه باسم المقصد الديني.
3- القراءة القفليَّة: -إعلم أن هذه المصطلحات ليست دارجة في الفنون، ولكن استدعت الحاجة أن نصف المطالب خلف كواليسها بها، فالمهم هو فهم المطلوب لا حفظ الألفاظ، فإن تم الفهم فسمّها ما تشاء- وهي قراءة النص بلا تدبر بسبب الأقفال التي فرضها القارئ على نفسه، وقيد نفسه بها ويسمونها الحجب الظلمانية، ومنها:
أ- حجاب غياب قصدية التعلّم‏: وينشأ من ضئالة الاستفادة من النص الديني –خصوصًا القرآن- مما يعود إلى غياب هذا القصد، فنحن لا نتعامل معه بقصد التعليم والتعلّم، بل غالبا ما تقتصر علاقتنا مع القرآن –بل النص الديني عمومًا- على القراءة وحسب، نقرأ القرآن لغرض نيل الثواب والأجر، لهذا لا نهتمّ إلّا بجهاته التجويديّة، فقصدنا أن نتلو القرآن صحيحًا لينالنا الثواب، نحن نقنع بهذا القدر وتجمد علاقتنا مع القرآن عند هذه التخوم من دون أن نتخطّاها. 1
ب- ومن الحجب‏ الكبيرة حجاب الذاتية والغرور وتضخّم الذات، أو حجاب رؤية النفس 2 حيث يرى الإنسان المتعلّم نفسه بواسطة هذا الحجاب مستغنيا لا يحتاج إلى الاستفادة. 3
ج- حجاب المعاصي: من الحجب الاخرى المانعة عن فهم القرآن الشريف والاستفادة من معارف هذا الكتاب الإلهي ومواعظه، حجاب المعاصي والكدورات الناشئة عن الطغيان والكبر بإزاء ساحة قدس ربّ العالمين، ممّا يؤدّي إلى حجب القلب عن إدراك الحقائق. 4
د- ومن الحجب حجاب الآراء الفاسدة والمذاهب الباطلة، وأغلب هذا يوجد من التبعية والتقليد، مثلا إذا رسخ في قلوبنا اعتقاد بمجرّد الاستماع من الأب أو الأم أو من الجهلة، نبني على هذا الاعتقاد، ولا نبدّله ولو أتانا واضح البرهان. 5
لو دققنا في هذه الأمثلة المنتخبة من الحجب للاحظنا أن ضابطة الحاجبية هو كون الشيء ظلمانيًا من جهة، ومانعًا من جهة أخرى، وفي الأول يُسأل هل يمكن أن يكون الحجاب النوراني قفلًا كذلك؟ إنه لبحث جميل وواسع ليتنا نتمكن ونتفرغ للقيام به، وفي الثاني نستفيد السعة وشموله لجميع المؤثرات والقيود المؤثرة في فهم وإدراك المراد الجدي من النص الديني، وبالتالي قراءته قراءة غير سليمة.
نعم هذه الحجب والأقفال ذكرت في البحث القرآني وإنما عممناها لسعة الضابطة، وإمكانية تطبيقها على سائر النصوص الدينية، فالتمسك برأي فاسد مثلًا يحدد الواردات المعرفية من النص بحدود الخلفيات التي يتبناها هذا الرأي، والمعاصي كذلك، وغياب قصد التعلم، فلا خصوصية لنص ديني ما دون غيره من القسماء.
4- القراءة المؤدلجة: وقد تدخل هذه القراءة تحت عنوان القراءة القفلية إلا أننا نظن قبل التحقيق باشتراط كون الحجاب ظلمانيًّا، ولكن هذه القراءة قد يكون الحجاب فيها نورانيًا كتأدلج الفرد ذو العقيدة الحقانية في سلوكه وتصرفاته وقراءاته، ولذلك نضع احتمالًا معتدًا به بمدخلية الحجاب النوراني في بحث القفليَّة.
وتأدلج الشخص لا يعني بالضرورة ذمه، فلا معنى لتجرد الشخص من مطلق المعارف السابقة حتى يستقبل غيرها، نعم المطلوب أن لا تسيطر تلك الإيدلوجية على قيادة البحث العلمي، يقول بدر العامر 6 في مقالٍ له: «إن المشهد الثقافي عندنا يشهد نزوعاً إلى القراءة "المعيارية" و"المؤدلجة" للأفكار أكثر من القراءة "السننية" و"المعرفية" فيها، وهذا يجعل المخرجات محسومة، والأفكار ضعيفة، والقراءات ناقصة وهزيلة، لأن الرجل المعرفي هو الذي يحترم العلم ويقبل بنتائجه، بينما "المؤدلج" قد حزم أمره في كثير من المسائل وعطل دماغه عن العمل في فحص الأفكار والمسائل، فأحكامه قاطعة في كل قضية يحملها، ومواقفه محسومة من الأعيان والقضايا، ولذلك تجد الرجل الذي حصر نفسه في أطر من التفكير ضيقة جداً لا يحبذ الخوض في "تحرير المصطلحات"، لأنه معارفه هشة قد بنيت على الثقافة "الاستهلاكية" البسيطة التي يأخذها من مفكر يحبه، أو شيخ يتبعه، أو محيط تشكل فيه، وهذا يعفيه عن (الكد المعرفي) الذي من خلاله يبني شخصيته الاعتبارية والثقافية، وتكون معارفه قائمة على احترام العلم وأصول المعرفة». 7 هذا كاف.
5- القراءة الإنتقائية: ولا نجزم أن تكون هذه النوعية من القراءة قراءةً سلبية على الدوام، إذ قد تكون قراءةً إيجابية إذا ألبسناها ضوابط الحفاظ السير البحثي الهادف، كمنهجية التفسير الموضوعي في القراءة النص القرآني إذ على ضوابطه، ورعاية الدقة العلمية فيه ينتج نتائجًا صحيحة وعلميَّة، ففيه يتم انتقاء الموضوع والمسائل الدائرة حوله في القرآن، وقد تكون قراءةً سلبية كما لو دخل الباحث في النص الديني لانتقاء الانحيازات التأكيدية، وإهمال اللا تأكيدية منها، أي إهمال الشواهد المعارضة للفكرة التي دخل على النص بنية إثبات حقانيتها مسبقًا.
يذكر الشيخ الدكتور محمد كرم الله مثالًا للقراءة الانتقائية ومضارها في منشور له عبر حسابه في الفيس بوك: «وهكذا بمثل هذه القراءة الانتقائية تصوَّر الحياة الزوجية على درجة كبيرة من المثالية التي لن تكون واقعية في كل جوانبها .
أين يكون الضرر ؟ : يأتي أحد الشباب يريد الزواج وليست لديه دراية كافية عن حقائق الحياة الزوجية ، فيطلع على هذه القراءة الانتقائية ، ويمني نفسه بتلك الحياة المثالية ، وبعد الزواج ؛ يجد وقائع لا تجري على تصوراته التي بُنيت على تلك القراءة الانتقائية ، وهي أمور معتادة في كل حياة زوجية ، بل وقع من أمثالها في البيت النبوي الشريف ، ولكن مع ذلك ؛ يحكم على حياته بالفشل ويقضي عليها بالانتهاء العاجل من غير عود ! ». 8
وللشيخ حسين الخشن 9 مقال جميل، حول القراءة الانتقائية وعلامات الظهور يقول في فقرة من فقراتها: «..بل كيف يمكن إعطاء صورة نقية لهذا العصر في ظل تحكم القراءة الانتقائية المجتزئة لنصوص وأخبار الملاحم والفتن؟! فإن الملحوظ في المقام هو لجوء أصحاب الكتابات التي تتناول أحداث عصر الظهور إلى التمسك ببعض الروايات التي تخدم تصوراتهم المتخيلة والإعراض عن سائر الروايات الواردة في نفس الحدث الذي يتناولونه بالبحث..»10.
وفي نفس المقال يذكر الشيخ صورة لقراءة أخرى ويربطها مع القراءة الانتقائية، وهي قراءتنا التالية.
6- القراءة الإسقاطية (الرمي على الواقع): وفيها يقوم القارئ بإسقاط النص على الواقع المعاصر، بينما يحتمل النص عدة أوجه واحتمالات لا علاقة لها بالواقع، وذكر الشيخ الخشن في مقاله مثالًا، وهو إسقاط علامات الظهور المبارك على الأحداث، والشخصيات في واقعنا المعاصر، بينما يمكن حملها على أحداث وشخصيات لم توجد بعد، إذ يمكن أن توجد في المستقبل، وسلبيته في تشكيك البسطاء بأصل الفكرة التي يحتويها النص لا القراءة والإسقاط الاجتهادي على الواقع، فعندما يتبين خطأ القراءة قل من يتمنطق في ردة فعله تجاه ذلك، خصوصًا إذا كان الإسقاط موجهًا لبسطاء الناس.
7- القراءة الموضوعية: وهي قراءة النص الديني قراءة حيادية لا تلزم التجرد من جميع المعارف والعقائد القبلية، ولكن النص فيها هو الذي يقودنا نحو مراده لا المؤثرات القبلية، نعم هنا يوجه سؤال: هل يعني ذلك أن نتجرد من الثقافة والمقدمات العلمية التي تعلمناها مثل العلوم الآلية، كقواعد المنطق مثلًا؟ طبعًا لا، لأنها وسائل تضبط التفكير وتعصمه عن الخطأ، بل هي التي توجهنا نحو الموضوعية، يقول الشيخ مازن المطوري 11: «إن القبليات المذمومة هي الأحكام المسبقة، أما الأدوات والوسائل فلا يمكن مطالبة الباحث الديني بتفريغ ذهنه منها ومواجهة النص الديني بذهن عامّي خال من تلك الأدوات، إذ مثل تلك المطالبة عبثية ولا معنى لها.
نعم؛ الباحث في الشأن الديني، بل في كلّ الشؤون المعرفية، مطالب بتفريغ ذهنه من الأحكام المسبقة التي تسهم في صياغة محتوى النص حسب رأي المفسّر وقناعاته المسبقة، وهذا المعنى هو الذي وردت فيه النصوص الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. أي أنها تنهى عن تفسير القرآن بالقناعة المسبقة والأحكام القبلية، وليس عن التفسير المسبوق بالأدوات والوسائل العقلية والعقلائية والدلالية».
هذه الأمثلة وليدة الاستقراء لا الحصر العقلي، فلذلك يمكن اكتشاف قراءات أخرى، وغاية البحث أن ننبّه القارئ على ما يقترن بدخوله لقراءة النص الديني، ليحدد عندئذٍ هل رافقه مؤثر نافع، أم مضر؟ حتى لا تتشوه الصورة التي ينتظر تصورها منه، والبحث قابل لفتح محاور وتحقيقات كثيرة، إلا أن هذا المقدار كافٍ ومفيد.

المراجع:

1- السيد الإمام الخميني، آداب الصلاة 192
2- منبر المحراب، العدد 1000، السنة العشرون، 4 رمضان 1433هـ
3- نفس المصدر 195
4- نفس المصدر : 201.
٥- منبر المحراب، العدد 1000، السنة العشرون، 4 رمضان 1433هـ
٦- باحث في الجماعات والاتجاهات الفكرية، داعية وخطيب جامع من السعودية.
٧- جريدة الوطن أون لاين، مقال القراءة المؤدلجة والقراءة المعرفية، بتاريخ ٢٠١٢/١١/٢٦م.
٨- شيخ ودكتور ومدرس من الخرطوم السودان.
٩- مدير المعهد الشرعي الإسلامي في بيروت، وأستاذ الدراسات العليا في مادتيّ الفقه والأصول في المعهد الشرعي الإسلامي.
١٠- موقع سماحة الشيخ حسين الخشن، مقالات، فكر ديني، علامات الظهور والقراءة الانتقائية الاسقاطية.
١١- أستاذ في حوزة النجف الأشرف.

حسين جبر هلال جابر السعيداوي

منذ شهر

التعليقات

user profile image

مبدع أبا عقيل

user profile image

أسأل الله تعالى لكم التوفيق ومزيد من الإبداع

user profile image

للجميع إن شاء الله.

تسجيل! حتى يمكنك التعليق عليك الدخول عبر حسابك في موقع معهد تراث الانبياء او عبر حسابك في موقع الفيس بوك

تدوينات مقترحه

الاعمال بخواتيمها

رضا الله غايتي منذ يوم 0

الشكوى دفعاً للحسد

رضا الله غايتي منذ 4 أيام 0

تنبيه للزملاء

حسين جبر هلال جابر السعيداوي منذ إسبوعين 0

العقل وأثره في سعادة الإنسان

رضا الله غايتي منذ إسبوعين 1

التفكير بالمفقود

رضا الله غايتي منذ 6 أيام 0

إرهاصات كاتب وصورة مرجع............ (قصة قصيرة )

فلاح حسن عبدالرضا العزاوي منذ 3 أسابيع 1

تواصل معنا

تصميم وبرمجة معهد تراث الانبياء