عبس وتكبر

منذ 6 أشهر

عبس وتكبر .
وفيه اعتلى الكبر ..
وفينا الوجع يا بشر ..
صغر أم كبر ..أقبل أم أدبر..
إنها حكايا لا تسر ..
.بين ثنايا فكاك الأشر ..
لحمهم من طين مسنون لحجر . .
نضج في رحم بشر ..
أعمى وبعدها أبصر ..
.وكل عينيه لاتبصر لتبصر ..
وتهاوت بين آل البشر ..
وأصبح جمعهم لا يسر ..
وللرحمة سجن كبير قفله كبر ..
.ومفتاحه فُقد كمثل ضياع ماء وجه البشر ..
وهي قابعة لوحدها نوُمها السهر ..
وقولها حكايا لا تسر ..
تقبع بين أكف لئيمة فلا باب للمفر ..
وأي مفر وعدوى الشر تشر ..
سليلة طليلة لسانها أشر..
تتحدث بمهلها وكلا مهدها وهزيز ركبها جمع كثر ..
سليمة جليسة كرسي عتيد من صنع الكفر ..
تجالس أناساً هم ليسوا من جنس البشر ...
إن في جنسهم قال إبليس ما له المسر ..
فأشرى نفوسهم والجسم فقط لبشر. .
.إنها حكايا بفاه بعض البشر ..
طويت مطية لكبر من أصغر الصغر ...
لوليد ماء بشر ..
وتوالي فنائها تحت أقدام البشر..
إنها قافية حكاها الزمان بعين البصر ..
كالطائر كلما ارتفع صغر في عين الناس الكبر ..
قالها أمير المؤمنين ولنصحه هل من معتبر ..

اخترنا لكم

لا تيأسوا من روح الله

جَلست في زاوية من زوايا المنزل و قد أسدل ستار الصفرة و الشحوب على وجهها، فأخفى ابتسامتها المشرقة، وأبدل وجنتيها المتوردتين إلى هالات سوداء أحاطت عينيها اللتين غارتا لكثرة البكاء، وطول النحيب وأضعف جسمها النشيط الهمُّ، فأصبحت لا تنهض من مكانها إلا لأمر ضروري جدا... هي على هذه الحال منذ أيام بعد أن سئمت التنقل المستمر بين المحطات الفضائية فتارة تتابع المسلسلات و أخرى تستمع الأغاني .... كل ذلك محاولة منها لإسكات الضجيج الذي يسود رأسها و الصوت الذي يسّهد ليلها كلما طرق سمع قلبها ...أنتِ أخطأت .....أنتِ أذنبت ....أنتِ ابتعدت عن خالقك... أنت... أنت... أنت... فتشعر بحقارة نفسها وقذارة تلفُّ باطنها... ولطالما حاولت جاهدة إسكات ذلك الصوت بشتى الوسائل و بمختلف الطرق ولكن دون جدوى.... بقيت جالسة في مكانها والأفكار تعجّ في رأسها كأنما ساحة وغى يتقاتل فيها جيشان كلاٌ منهما يبذل أقصى ما في وسعه لتحقيق الانتصار على خصمه... فتارة فكرة شيطانية تزين لها الاستمرار في المعاصي فلا مجال للتوبة بعدئذ والمبتلّ لا يخشى المطر.... وتارةً فكرة رحمانية تطلب منها محاولة العودة إلى الله ( تعالى ) وما إن تسترسل فيها حتى يدخل أبو مرة فيقطع حبلها ويأمرها بالانتحار انتقاماً من نفسها التي عصت.... فأشفقت على حالها المزرية ولم تستطع الصمود أكثر... فانتفضت صارخة كفى... كفى..... توقفا عن العراك ... قد سئمت منكما.... إلى متى وأنتما تتباريان على الفوز بالانصياع لكما... إلى متى... إلى متى... ارحماني... وما إن أتمت حديثها معهما حتى أطرقت برأسها نحو الأرض هُنيئة وانتبهت فجأة وقد علت وجهها ابتسامة ثم قالت ساخرة من نفسها... ما أغباك، أتأملين رحمتهما وتيأسين من رحمة الله ثم استجمعت شتات قواها المتحطّمة وقالت من كل قلبها... ولا تيأسوا من روح الله... فاستجمعت قوى جسمها المنهك و خطت خطوات لتسبغ الوضوء و تصلي ركعتي التوبة ... و لكنها تذكرت قذارتها التي أحاطت بها بسبب المعاصي فأكملت وضوءها وتوجهت لتغتسل من ذنوبها وقد رفعت صوتها وبكل عزم وقوة وإرادة: عليَّ أن أفتح صفحتي الجديدة مع ربي وخالقي وأنا طاهرة...

منذ 6 أشهر
95

أيـــنَ اللهُ تــعالى؟

أين الله تعالى؟ سؤالٌ يتبادر إلى الأذهان، فمنهم مَن يبوحُ بهِ، ومِنهم مَن لم يسأل أهل الاختصاص فتبقى تتلاطمُ به أمواج الشُبهات، ويتزلزل عقيدةً؛ نتيجةً لأجوبةٍ ركيكةٍ يشوبها الخلل، لـذا على المرء طرح سؤاله على المختصين. ولو تأملنا في آياتِ الكتابِ الكريمِ لوجدنا الله تعالى يوجبُ علينا السؤال، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(1). وكذلك النصوص الروائيّة توجب السؤال مع مراعاة الآداب وتحقيق المنفعة العلميّة، حيثُ رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السَّلام) أَنهُ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَلَيْهِ قُفْلٌ وَ مِفْتَاحُهُ الْمَسْأَلَةُ"(2). فقد يكونُ السؤال تعلّماً، أو تعنتاً، أو وسوسةً، فالأوّل لابأس به حيثُ يزيدُ صاحبهُ نوراً، والثاني يزيدُ صاحبهُ ذلّةً وغروراً، والثالثُ لابدّ مِن معالجته. إنّ الوسواسَ في العقيدةِ وما يلحق به مِن الأفكار المـزعجة كالتفكر في ذات وحقيقة الله عز وجل، والأفكـار في الدّين، والعقيدة، والخوف من الكفر، والردة، وغيرها ليست جديدة على المسلمين، بل هي موجودة منذ فجر الإسلام، وقد وقعت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). وأنّ حدوث هذا الأمر ليس دليلاً على ضلال الإنسان وكفره وفسقه وخبثه، فيجب على الإنسان الموسوس إذا جاءته هذه الأفكار المزعجة أن يتوقف عنها مباشرة ثم يفعل ما يلي: أولاً: يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول: آمنت بالله ورسله، ويتجاهل الأفكار ولا يكررها. ثانياً: أن يهدأ ولا يُفسّق نفسه ولا يكفرها، بل يتيقن أنه مؤمن وهذه الوساوس لا تضره أبداً. ويتذكر أنّ غضبه وحزنه ومدافعته لهذه الأفكار إنّما هو صريح الإيمان، وأنّ هذه الوساوس غير مقصودة بل هي من الشيطان. ثالثاً: أن يعلم علماً يقينياً أنّه غير آثم، وغير مؤاخذ بهذه الأفكار لقوله تعالى: (لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها)(3). وجواباً على السؤال نقولُ إجمالاً ما نعتقدُ به: إنّ الله في كلِّ مكان، ولا يخلو منه شيء. فإن قيل: لماذا يتوجه الإنسان بدعائه للأعلى نحو السماء؟ قُلنا: لأن الله سبحانه قال: (وفِي السّمَاء رَزقكم وَمَا تَدعون)(4). ولأنّ اللهَ تعالى شأنه عالٍ، والأعلى دائماً يدل على الرفعة والعلو في الشأن، كما هو غير خافٍ على أحد. فإن قيلَ: ما المقصود بأنّه في كلّ مكان؟ -قُلنا: أي إنّهُ تعالى عالم بكل مكان وما فيه، وهو ما عبرت عنه النصوص العقائدية بعدة تعبيرات، منها ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطبته: " داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج "(5). " هو في الأشياء على غير ممازجة خارج منها على غير مباينة "(6). ويقول (عليهِ السلام): "مع كلّ شيءٍ لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة".(7) ويقولُ أيضاً: " قريب من الاشياء غير ملامس بعيد عنها غير مباين ".(8) -فإن قيل: كيف يكون في الأشياء، وخارج عنها؟ هل هو مبهم أو هو مجرد كلام ينطوي على مغالطات، ووصف لله مباين؟ -قُلنا: كلا بل الإجابة واضحة، "داخل في الأشياء، خارج عنها" أي عالم بها، ومحيطٌ بالأشياء. مثالٌ توضيحي: إنك إذا لاحظت البحر، أو حوض الأسماك فستجد الماء محيطاً بالحيوانات، والأسماك. فالماء داخل في هذه الأشياء، ولكنّه خارج عنها، هذا بالنسبة للماديات مع الفارق. أي إنّ الماء خارج عن جوفها، وليس بداخلها ، وإحاطة الله كليّة، بكل ذرةٍ منها حتى أجزاء الذرة. والماءُ محيطٌ بها فقط، ولا يدخل في باطنها، لأنّك لو فتحت باطن السمكة، لا تراها مملؤة بالماء؛ لأنّ الماء خارج عنها أو محيط بها فقط. وإن لم يتضح لك المثال فأعلم أنّ الموجود إمّا مادّي، وإمّا غير مادّي. والموجود المادّي هو: الموجود الذي له مادّة وجسم – أي إنه ذو أبعاد ثلاثة: طول وعرض وعمق - والجسم يستدعي كونه في مكانٍ خاص، وجهة خاصّة، ولا يمكن للجسم أن يكون في مكانين أو جهتين أو أكثر، وإلاّ لصار جسمين أو أكثر لا جسماً واحداً. والموجود غير المادّي هو: الموجود الذي ليس له مادّة وجسم، بل هو مجرّد عن المادة، فهو ليس له مكان خاص ولا جهة خاصّة، إذ لا يخضع لقوانين المادّة، ومنها: المكان. فاللهُ تعالى وجودهُ غير ماديّ حتى يخضع للحلولِ في مكان، وإلاّ لصار مادياً، ولكان في مكان ولخلا منه مكان، وهو خلاف كونه واجب الوجود المحيط بكل الوجود المادي. رويَ عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه أجابَ ابن أبي العوجاء قائلاً: "إنّما وصفتَ المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا الله العظيم الشأن، الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان"(9). فلو كانَ اللهُ في مكانٍ للزم إحاطة المكانِ به، فيُحيطُ المُحيطُ بالمُحاط، ويلزم منهُ الحدّ والتجسيم، وهذا خُلفُ كونه واجب وجود، وأيضاً لزمَت الإشارة إليه حسيّاً، وكلّ مشار إليهِ محدود، والمحدوديّة مِن سمات الممكنات لا الواجب. والخلاصة: أنّ عقيدتنا في الله تعالى أنّهُ منزّهٌ عن المكانِ. __________________________ (1) الأنبياء: 21. (2) الكافي: الشيخ الكليني, ج1, ص40 . (3) البقرة :286. (4) الذاريات: 22. (5) التوحيد: للشيخ الصدوق, حديث ذعلب, ص 306. (6) المصدر نفسه. (7) حق اليقين: السيّد عبد الله شبّر, ص 43 . (8) حديث ذعلب المشهور. (9) الاحتجاج: 2ج, ص75، الكافي, ج1, ص 126, ح3,كتاب التوحيد، باب الحركة والانتقال. والحمدُ للهِ الذي لا إله إلاّ هو. عـلوية الحُسيني

منذ شهرين
181

اللاهدفيـــة

اقتضت حكمة الله (تعالى) أن تكون أفعاله تعالى محكومة لمصلحة وهدف وغاية، ولذا قالوا في علم الكلام: إن أفعال الله تعالى معلّله بالغايات، فكيف بخلقه الإنسان الذي سخر له السموات والأرض! قال (تعالى): "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"، ولذا فقد تكرر ذكر هدفية خلق الانسان في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها قوله (تعالى): "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)" لم يقتصر القرآن الكريم على بيان هدفية خلق الإنسان بل بيّن ذلك الهدف أيضاً إذ قال (تعالى): " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)" . فالعبادة والطاعة إذن هما الهدف الأساسي والرئيسي من خلق الإنسان، وكل ما في الوجود وما يدور فيه من أحداث إنما رتبها الله (تعالى) على نسقٍ يحقق ذلك الهدف بما فيها المغريات والفتن والابتلاءات التي تغربل الناس جميعاً فتميز المطيع الحقيقي عمن سواه. ومن هنا وجب على كل إنسان الشعور بهدفية وجوده في الحياة، من خلال وضعه أهدافاً متوسطة وأخرى صغيرة، ومن ثم توظيف ما يتمتع به من إمكانيات وقدرات لأجل تحقيقها والذي يصب في النهاية في دائرة تحقيق هدفه الأسمى المتمثل بعبادة الله (تعالى) وطاعته والفوز برضوانه. إلا أن ما يؤسَف له حقاً أن يعيش البعض اللاهدفية المقيتة، فيعيش حياته بصورة عشوائية وكيفما اتفق دونما تخطيط أو شعور بالمسؤولية وبلا موبالاة بسنيِّ عمره التي يهدرها الواحدة تلو الأخرى دون تقدم ملحوظ في الجانب الروحاني أو الخُلُقي أو العبادي -أي في الجانب التكاملي عموماً-. إن من الناس من يحرق زهرة شبابه، ويهدر سنيَّ عمره، ويفوِّت على نفسه الانتفاع بما يمتلك من جهد وطاقات، مكتفياً بتدخين السكائر والأركيلة، أو مستريحاً لأن يجوب الشوارع والأسواق ذهاباً وإياباً دون ضرورة، أو متمتعاً بالمبالغة في التنزه في المتنزهات ومدن الألعاب. وهذه الأمور بحد ذاتها مضيعةً للوقت وخسارة للعمر الذي إن ذهبت منه لحظة واحدة لا يمكن استرجاعها بملئ الأرض ذهباً، فضلاً عما يكتنف كل ذلك من المحرمات كالنظر المحرم أو الاختلاط المحظور أو الخوض في أعراض الناس وهتك الحرمات، وننسبه على أن هذه الأمور وإن لم تكن محرمة في حدّ نفسها. لكنها على كل حال تُعبّر عن حالة من تضييع العمر بلا فائدة -وقد تدخل فيها الحرمة عرضاً- كما أشرنا إليه. ومنهم من تراه مهووساً في متابعة الأفلام والمسلسلات والبرامج غير الهادفة، فتراه يتنقل بين المحطات الفضائية ولا هم له سوى هذا البرنامج المضحك أو ذاك الفلم الغرامي أو ذلك المسلسل المتخم بالانحرافات الذي يستنزف من عمره مئات الساعات والساعات. ومنهم من يقضي ساعات عمره محدّقاً في شاشات الجوال أو الحاسوب لا لعلم يرتقي به ولا لعمل صالح يدعو إليه، وإنما جُلَ همَ بعضهم الترويج للإشاعات والشبهات من حيث يعلم أو لا يعلم، ومنهم من يعاكس الفتيات على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا كبيرة السن تنجو منه ولا ذات البعل تسلم، ومنهم من همه المشاركة في تسقيط الشخصيات اتباعاً للظنون وتعويلاً على التوهم، ومنهم من يروق له أن تلتهم عيناه ما حرم الله (تعالى) النظر إليه إلتهاماً. بل إن البعض لا يكتفي بعبثية حياته وإنما يوظف طاقاته من أجل بثّ اللاهدفية في غيره وإضلال أفراد مجتمعه، ويشتري شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم، يقول الله (تعالى): "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم ويتّخذها هزواً اُولئك لهم عذاب مقيم" في الوقت نفسه. نحن لا ننكر فيه أن النفس أحياناً قد تمل فيُستحسن علاجها بالطرائف، وتحسين مزاجها باللطائف، فلا مانع من بعض البرامج الترفيهية المنضبطة والأفلام الهادفة إذا ما روعيَ فيها جانب احترام الوقت بالإضافة إلى انتخاب الجيد والهادف منها، كما لا مانع من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي بل قد يكون ضرورياً لصلة رحم أو لرد شبهة أو لدفع غيبة أو تسقيط أو تشويه لمؤمن أو مؤمنة وما إلى ذلك. إذن فلا بد في كل ما تقدم من مراعاة الانضباط في بعدي الكم والكيف؛ لأن عدم مراعاتهما هو المحذور، لأنه يقود الإنسان شيئاً فشيئاً إلى التقصير والجهل والقصور. ولو سألت أحدهم عن سبب العبثية الواضحة في أسلوب حياته، واللامبالاة في تضييع عمره وهدر الكثير دونما جدوى من ساعاته، والركون إلى اللهو وغياب الهدفية من سجل مصطلحاته، لأشار بأصابع الاتهام إلى الظروف الخارجية، مريحاً نفسه من همّ التفكير في تطوير ذاته وتنمية مواهبه وقدراته، أو مؤونة البحث عن مخرج ولو صغير يتنفس من خلاله المعنى الحقيقي للحياة. ولكن الحقيقة هي إن عدم مناسبة الظروف الخارجية لما نرغب وإن كان عائقاً كبيراً أمام طموحاتنا، وهو بلا شك حجر عثرة تتعثر فيه أهدافنا، وقد تحتضر فيه أحلامنا، إلا أن ذلك لا يعني نهاية الحياة، كما لا ينبغي لنا الاستسلام البتة، بل هناك ألف طريق وطريق لمن أراد الحياة، ولعل خير ما قرأت لهذه المشكلة علاجاً قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون" . فإن الحياة لا تخلو إما أن تكون كما نريد أو لا، وفي كلا الحالتين فإن الإنسان وحده هو المسؤول عن اختياراته، فعليه أن لا يتخلى عن أهدافه، وينبغي أن يكون طموحاً ومنتجاً بل وسعيداً؛ لأن الإنسان هو الذي يقود ذاته لا الظروف الخارجية. ومن أساليب القيادة السليمة للذات نحو النجاح والسعادة أيضاً هو البحث عن مخرج دائما وأبداً فعند الوصول إلى أبواب موصدة لا ينبغي هدر العمر بالتحديق فيها أو التحسر عليها؛ لأن الطرق الموصدة لا تعني نهاية الطريق، بل تعني سلوك الطريق الخطأ، وهي رسالة واضحة للبحث عن الطريق الصحيح، فيجب البحث دائماً وأبداً عن بدائل وذلك لا يتأتى إلا بالرضا أولاً بواقع الحال -لا بمعنى الخضوع والاستسلام وإنما بمعنى تقبّل الواقع والتوقّف عن التذمُّر منه- ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون" لأن الرضا بالواقع وتقبله يتيح فرصة فهمه والتعرف إلى ما فيه من نقاط إيجابية يمكن استثمارها بخلاف التذمر منه ومخاصمته. قد يثير هذا الكلام استغراب البعض لاسيما ونحن نعيش أجواءً اليوم قد تلبدت بغيوم البطالة، إلا أنه منطقي إلى حد قد لا يكون متوقعاً، فالمتخرج والمتخرجة في كلية الهندسة والتربية والعلوم وسواها اللذان يحلمان بإيجاد الوظيفة المناسبة التي بذلا لأجلها الجهد الجهيد لا تراهما بعد سنة أو أقل من التخرج إلا وهما مكتئبا الحال يعيشان الضياع ويكثران الشكوى؛ لعدم تحقق حلمهما، ولا نستنكر أصل الحزن والألم لأنهما مشروعان في هذه الحالة إذ إن كل من يغرس مجتهداً بغرسه يأمل بقطف الثمار اليانعة، إلا أنه من غير الصحيح تضييع العمر حسرات على حلم لم يتحقق أو هدف لم يُنَل. ولنتفق أن ما من غرس لا ينتج أثراً بصورة مطلقة، فبعض الأشجار قد لا تعطي ثمراً جنياً ولكنها تمنح ظلاً ظليلاً. وعليه فيمكن لهما أن ينظرا بعين الإيجابية رغم الظروف الحالكة ويستثمرا العلوم التي اختزلناها في ذهنهما طيلة أيام الدراسة في تدريس الطلبة الذين يعانون ضعفاً فيها ولكن بمبلغ يسير فيكونان قد أعانا غيرهما على النجاح، وحافظا على معلوماتهما من النسيان، بالإضافة الى النفع المادي وإن كان يسيراً، وقد تكون تلك التجربة بادرة احترافهما القاء دروس التقوية. هذا مثال بسيط جداً ومن يضع النجاح نصب عينيه هدفاً ستنقدح في ذهنه الأفكار التي توصل إليه تباعاً، وسيتمكن من اكتشاف مواهبه وإمكانياته وقدراته وينفض عنها غبار الإهمال وينميها شيئاً فشيئاً حتى تصبح عمله الذي يألفه ومصدر رزقه الذي يغنيه عن لئام النفوس. فعلى الإنسان أن لا يجمد إطلاقاً ولا يتوقف البتة في كل مجال من مجالات حياته وعلى جميع الأصعدة الروحاني منها والعلمي والنفسي والصحي والاجتماعي؛ لأن التوقف في الحياة تراجعٌ ليس إلا. ومن الجدير بالذكر أننا وإن ذكرنا مصاديق لما يشغل فئة الشباب من بعض الملهيات إلا أن ذلك لا يعني اقتصار اللاهدفية في الحياة والعبثية فيها عليهم، بل هناك فئات أخرى من الناس عاشوا هذه الصفة كبعض الذين بلغوا سن التقاعد من الجنسين، ففي الوقت الذي ينبغي أن تكون هذه المرحلة من العمر مرحلة الاهتمام بالذات بشكل أكبر ومن جميع النواحي الروحانية والخلقية والعبادية والصحية والنفسية والاجتماعية، وممارسة الهوايات وتنمية بعض القدرات، والمطالعة في مختلف المجالات، والشروع ببعض المشاريع الخيرية والتطوعية وما شابه؛ لما تتسم به من خفة المسؤولية عادةً حيث الأبناء قد كبروا واعتمدوا على أنفسهم غالباً، إلا أن البعض وللأسف الشديد يفضل أن يهدر وقته ضياعاً، فتجدهم قد ملؤوا مقاعد المقاهي يوقدون سكائرهم بساعات عمرهم، ويحتسون أكواب قهوتهم الواحد تلو الآخر منبهين أجسامهم على ضرورة اتخاذ الكسل عملاً والخمول منهجاً، قد أدى إحساسهم بانتهاء رسالتهم في الحياة وفراغهم من تحقيق أهدافهم إلى شعورهم برتابة ما تبقّى من حياتهم؛ ولذا لا يجد بعضهم عملاً سوى الانشغال بحياة غيره فيتدخل فيما لا يعنيه، ويجهد عقله وتفكيره فيما لا ينبغي عليه، وعندئذٍ لا يجني لنفسه إلا الهم والشقاء، ولا يحصد من الآخرين سوى النفور والجفاء، في حين أن من يستشعر الهدفية في حياته لا يتوقف عن تطوير ذاته مهما كانت ظروفه ومهما تقدم في السن أو تراجع في الصحة. وقد يتصور البعض أن الكلام عن اللاهدفية هو كلام مبالغ فيه إذ إن المعلوم أن الكثير من البشر لهم أهداف وأحلام وأمنيات وطموحات منذ نعومة أظفارهم وحتى يُقبروا، نجيب نعم إن ذلك صحيح إلا أن وجود الهدف عند الإنسان غير كافٍ ما لم يقترن بوضعه حيز التنفيذ، من خلال وضع خطط لأجل ذلك، ومن ثم السعي الجاد إلى تحقيقه على أرض الواقع من خلال البحث عن الوسائل المتاحة والأدوات الممكنة لذلك. فكم من أهدافٍ وأحلامٍ قد عاشت في الخيال وماتت وقُبِرت بموت أصحابها دون أن تتنشق هواء الواقع! وكم نسمع من الكثير أنه يحلم بأن يفعل كذا وكذا، ويبني قصورا فارهة وحياة منعمة في ليله على صفحة خياله ولكن ما إن يصحو حتى يُذهب سلوكه اليومي بكل تلك القصور كما يذهب ضوء الشمس لمعان النجوم. إذن فعلى الإنسان أن لا يكون هادفاً وحسب، بل وعاملاً على تنفيذ هدفه، ساعياً وبكل جد إلى تحقيقه. وإلى جانب هذا الصنف من الناس نجد صنفاً آخر تراه هادفاً في مقتبل عمره باذلاً كل جهده في سبيل تحقيق هدفه، ولكنه ما إن يتحقق حتى يسترخي فيما تبقّى من حياته مقتنعاً بما حققه، في حين أن الإنسان الناجح لا يحقق هدفاً إلا وفي ذهنه هدفٌ آخر يحثّ الخُطى إليه. وللأهداف أهمية كبيرة في حياة الإنسان لأسباب كثيرة أهمها: أولاً: بالرغم من أن عمر الإنسان رأس ماله الذي لا يمكن تعويضه أبداً إلا أن الكثير من الناس يبعثره هنا وهناك دونما جدوى أو فائدة، ولذا فإن الالتزام بأهداف نحققها يجعلنا أكثر وعياً بـقيمة الزمن وأكثر حرصاً عليه، نستثمره لتغيير أوضاعنا نحو الأفضل، لا أن نبحث عمّا به يُقتَل. ثانياً: عدم استهداف هدف معين أو عدم التخطيط لتحقيقه هما السبب الأبرز في خسران الفرص في الحياة؛ لأن الفرص تمر مر السحاب، فما لم تكن واضحاً في أهدافك وطموحاتك، عارفاً بقدراتك وإمكانياتك قد لا تحسن استثمارها بالشكل الأمثل. ثالثاً: وضع الأهداف في الحياة ومن ثم العمل على تحقيقها ينقذان الإنسان من الإحساس بالتعاسة والحزن، ويقوده شيئاً فشيئاً نحو السعادة والنجاح؛ وذلك لأن الإنسان ــ كما يذكر علماء النفس ــ غالباً ما يشعر بالحزن عندما يكون غير مشغول فيسأل نفسه أهو سعيد أم لا؟ وأما في حال انشغاله فإنه قد لا تتاح له الفرصة ليسأل نفسه ذلك السؤال حتى. رابعاً: لابد من التأكيد على التنوع في الأهداف وتعددها قدر الإمكان لأن الحياة كثيرة التغير، دائمة التقلب، فقد يجتهد الإنسان ساعياً إلى هدف ما لكنه قد لا يتحقق لأمر خارج عن إرادته والمثال الأوضح هو هذا الكم الهائل من الخرّيجين الذين لم يحققوا هدفهم بالحصول على الوظيفة. وأخيراً فإن للأهداف سمات لابد أن تتسم بها وهــي: أولاً: المشروعية: أي لابد أن تكون الأهداف مشروعةً في الحياة، أي مباحة لا تشوبها حرمة ولا تكتنفها شبهة؛ لأن الأهداف غير المشروعة وإن كانت سريعة النمو وفيرة المكسب إلا أنها في الوقت ذاته تحيل حياة المرء إلى حياة مضطربة يشكو فيها من الضنك والتعاسة؛ لأن تلك الأهداف تحط من التوازن العام لشخصية الإنسان وتولد فيها صراعات عنيفة، الأمر الذي يُفقِده السلام الداخلي. ثانياً: انسجام الأهداف مع الهدف الأكبر: فلا يكفي أن تكون أهداف الإنسان مشروعة بل لابد أن تنسجم مع الهدف الأكبر ــ وهو عند المسلم تحقيق رضوان الله (تعالى) ــ وأن لا تتنافر معه في نتائجها وآثارها. فمثلاً عندما يكون هدف المرء الربح المادي فقط فهذا أمر مشروع ولا شبهة فيه فضلاً عن عدم الحرمة، ولكنه قد لا يكون منسجماً مع الهدف الأكبر والأسمى وهو رضوان الله (تعالى) فيما لو تعارض تحقيق هذا الهدف مع مدّ يد العون إلى يتيم ما أو معونة مسكين ما أو الانتصار لمظلوم ما، وعليه يُستحسن أن يكون هدف المسلم تحقيق الربح بمفهومه الأعم وعدم تقييده بخصوص الربح المادي فقط؛ ليكون أكثر انسجاماً مع هدفه الأكبر. ومما لاشك فيه أن مدى شعور المرء بأنه يحيا حياة طيبة ويعيش الانسجام والتناغم بين مطالبه الروحية والمادية يتوقف على مدى انسجام أهدافه مع الهدف الأكبر وما يقتضيه من قيم. ثالثاً: الملائمة: فلابد أن تكون أهدافنا ملائمة لما نملك من طاقات وموارد ولما نعيشه من ظروف، ولما نميل له ونتطلع إليه. ولا يُفهم من اشتراط كون الهدف ملائماً لابد أن يُتواضع فيه أو أنه الهدف الخالي من التحدي، بل على العكس هو الهدف الذي يتحدى المرء في سبيل تحقيقه الصعوبات، ويتغلب على المعوِّقات، من خلال تفجيره لما كمُن فيه من طاقات، واستخدامه لما أهمِل من موارد، ولا يعجز عن ذلك طالما كانت ضمن الحدود الممكنة. وأما الطموحات غير المتسمة بهذه السمة فإنها بلاشك إما أن تؤدي بالأفراد لأن يسلكوا طرقاً غير مشروعة لأجل تحقيقها، أو أن تؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار، مسببةً لهم آلاماً نفسية وشعوراً بالتحطم والانهيار. ومن السبل التي يمكن من خلالها الجمع ببن الأهداف الكبيرة وإمكانية تحقيقها هو أن يضع المرء لتحقيقها أهدافاً صغيرة، فالهدف الكبير قد يمكن تحقيقه من خلال سلسلة من الأهداف الصغيرة التي يمكن أن تكون بعضها وسيلة للبعض الآخر، كالطريق الطويل تماماً الذي يمكن قطعه من خلال الخطوات الصغيرة. ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر والأمل وتواصل العمل، وكما قيل: قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع. رابعاً: المرونة: من الجميل أن نستشعر المتعة والراحة عند تحقيقنا لأهدافنا، إلا أن ذلك لا يكون إلا إذا أسبغنا عليها سمة المرونة، فالأهداف التي تفتقد تلك السمة تتحول إلى التزامات مقيدة لحرية الإنسان، حائلةً دون تحقيق رغباته. ومن سبل إضفاء المرونة على الهدف هو تحديده ضمن حدود دنيا وحدود عليا، فمثلاً من الأهداف الصغيرة التي تصب في هدف تطوير الذات هي المطالعة اليومية فمن المستحسن أن يكون مرناً بأن نحدد له من ساعة إلى ساعتين مثلاً، بدلاً من حصره بساعتين وحسب. خامساً: الوضوح: وهو من السمات المهمة جداً للهدف، إذ يمكن من خلالها معرفة نسبة ما أُُنجِز منه ونسبة ما لم يتم إنجازه بعد، كما يبين بوضوح المعوقات والعراقيل التي تعترض طريق تحقيق ذلك الهدف. بخلاف من لا يملك تلك السمة في أهدافه فتجده مضطرباً ضائعاً لا يعلم ما الذي أنجز؟ ولا يدري إلى أين وصل في تحقيقه لهدفه؟ كما يفتقر إلى تشخيص المعوقات بدقة. سادساً: تحديد توقيت لإنجازه: فالزمان ثروة هي في تناقصٍ دائمٍ أبداً شئنا ذلك أم أبينا، كما أن طاقاتنا قابلة للنفاد؛ لذا فمن الضروري تحديد سقف زمني معين لأهدافنا. ثم إن بعض الأهداف تفقد قيمتها الحقيقية إن لم تتحقق في الوقت المناسب، كالتفاهم بين الشركاء الذي لا يتحقق إلا بعد فشل المؤسسة مثلاً. كما أن بعضها لا ينتظر، فإما أن يُحقق في الوقت المناسب أو لا، فكم من مؤمن كان من أهدافه الزواج بفتاة مؤمنة تشاطره الرؤى والاهتمامات وتوافقه في الآمال والطموحات، إلا أنه لم يتحقق لإسدال ستار التواني عليه واللامبالاة. وختاماً فإننا كمؤمنين بأن لقاء الله (تعالى) أمرٌ لابد منه فحريٌ بكل منا أن لا يقتصر على ما يؤديه من عبادات، بل ويهيأ ما سيقدمه بين يدي خالقه من إنجازات، وفقنا الله وإياكم لذلك إنه سميع مجيب الدعوات.

منذ شهرين
83

التعليقات

يتصدر الان

الأطفال وتكرار الأخطاء

لاشك أن الأطفال يعيشون في عالم يختلف عن عالم الكبار، فاللهو واللعب جزء أساسي من عالمهم الجميل، وهذا ما لا يمكن أن نفهمه إلا إذا تذكّرنا أيام طفولتنا، ومن ذلك أنهم يتعرضون لمواقف عديدة يعجزون عن التصرف فيها بشكل مناسب، فيقعون في الخطأ وتتكرر أخطاؤهم، فيُصاب الأهل بالإحباط وخيبة الأمل ويفقدون الشعور براحة البال وتسوء حالتهم النفسية، وهنا يجب أن يفهم الأهل أن عملية التربية وتعليم الطفل وتوجيهه تقع على عاتقهم وهي من واجباتهم الشرعية والأخلاقية، ومهما بذل الوالدان من اهتمام في هذا المجال فلا يمكنهما أن يمنعا أطفالهما من ارتكاب الأخطاء، فالأطفال كثيروا الخطأ بسبب: ١- ضعف إدراكهم ووعيهم للأمور والنتيجة عدم حساب عواقب الأفعال بشكل صحيح. ٢- عدم قدرتهم على السيطرة على نزواتهم ورغباتهم بسبب ضعف الجهاز الإدراكي (الهادئ) وسيطرة الجهاز المثير. فعملية تعليم الطفل لضبط النفس تحتاج إلى جهد جهيد ووقت طويل ومعرفة بأساليب التربية ومتطلباتها. إذن نستنتج من ذلك أن وقوع الأطفال في بعض المشاكل والأخطاء شيء طبيعي جداً، ويجب على الأبوين استيعاب ذلك والتفكير بطريقة تُعلم الأبناء لمهارة ضبط النفس! وهذه المهارة يمكن أن يكتسبها الأطفال من أخطائهم بواسطة التجربة فيتشكل لديهم مانع يمنعهم من إعادة الخطأ وتكراره بمرور الزمن، نعرف من ذلك أن وقوع الأطفال بالخطأ يُعلمهم مهارة ضبط النفس عن طريق اكتسابها بالتجربة، وأيضاً توجد طريقة تعتبر هي الأساس في تعليم الأطفال ضبط النفس وعدم وقوعهم في الخطأ وهي (أسلوب الوالدين أمام أبناءهم) فإذا كان الأبوان يمتلكان ويتمتعان بمهارة التحكم في الذات فإن هذا يولِّد انطباعاً لدى الأبناء بالسلوك الحكيم المتزن، فالمهارات الأساسية كضبط النفس وطريقة التحدث مع الآخرين والاستماع لهم يكتسبها الأبناء من آبائهم وأمهاتهم وممن يعيشون معه من أعمامهم وأخوالهم، فالتأثير يمتد عن طريق الوراثة وعن طريق التأثر بالسلوك الفعلي الذي يشاهدونه أمامهم، إذن متى نحاسب الأطفال على أخطائهم؟! في أي وقت من أعمارهم؟! ذكرنا أن بعض الأخطاء مسموح بها لأن الطفل في طور التعلم من أخطائه وهو تحت عمر السبع سنوات كما ذكره الحديث الشريف: (الولد سيد سبع سنين) فالسيادة معناها احترام شخصية الطفل وفكره والتوسيع عليه والسماح له بالحرية ليعيش طفولته، فيتم بذلك إشباع رغباته النفسية والمادية فيكون سيداً على ذاته وهذا مايرفع تقدير الذات لديه، فترتفع ثقته بنفسه وهذا هو المطلوب في بناء شخصية الطفل بشكل سليم، أما في مرحلة السبع سنوات الثانية من (٧_١٤) سنة فتكون مرحلة امتداد للسنوات السبع الأولى، فكلما حصل الطفل على احتياجاته النفسية (كالحب والأحترام والآمان والتقدير والقبول) فإن حصيلة ذلك هي دخول الطفل في الطاعة والانقياد لأوامر الوالدين في سنواته السبع الثانية (وعبد سبع سنين) وهنا يكون الطفل في هذه الفترة مستعداً للطاعة والامتثال للأوامر التي تكون في صالحه ولمستقبله، وهذه السنوات تكون مكملة للسنوات السبع الأولى والتي يكون فيها الطفل أكثر إدراكاً ومعرفة في فهم توجيهات الأهل، فالطفل في سنواته السبع الثانية يكون انعكاساً وامتداداً لسنواته السبع الأولى، فكما أعطى الأب سيُعطي الابن بنفس المقدار أو أكثر، وهنا تكون سلسلة مترابطة من الأخذ والعطاء تتمثل في سنواته الثالثة (من ال ١٤_ ٢١) والتي ذكرها الحديث الشريف (ووزير سبع سنين) ومعنى ذلك أن يؤخذ برأي الولد عن طريق الاستماع والاستشارة فيما يخص أمور البيت وأموره الخاصة ليشعر بمكانته ومنزلته في قلوب أهله، بهذه المراحل الثلاثة فإننا نقوم ببناء شخصية الولد بشكل يناسب الحياة ومتطلباتها، وبالتالي بناء جيل يواكب المرحلة بحداثتها، فالأسلوب السليم للأبوين ينتج جيلاً واعياً، يعرف مسؤولياته جيداً. وختاماً فإنه يجب على الأبوين أن لا يطلبوا المثالية من الأبناء ولايحاسبوهم على توافه الأخطاء التي يرتكبونها، فالأطفال يتعلمون من أخطائهم إذا شعروا بحرية التصرف، أما مع المراقبة الكثيرة والتربص بهم فسيقعون في المشاكل ويكررونها بسبب عدم شعورهم بالثقة من أهلهم، فيحاولون عدم اقتراف الأخطاء فيقعون فيها مما يسبب لهم شعورا بعدم الاستطاعة على فعل الصواب، لذلك توجب غض النظر عن بعض الأخطاء التي تصدر منهم وتوجيههم بشكل لايشعرهم بالتحقير والتجريح لكي يتمكنوا من النهوض من جديد.

منذ شهر
1480

من يتحكم بمن؟ الأم هي القائد أم التابع؟

يجب أن تأخذ الأم دورها بشكل يعزز من هيبتها وسلطتها وقوتها في إدارة الأسرة في ظل غياب الزوج وانشغاله بأمور العمل، فالأم القوية تستطيع أن تتعامل بأسلوب الحب والحزم في آن واحد، فالموازنة بين العقل والمنطق هي روح الأُسر السعيدة التي تتميز بتبادل الاحترام والمحبة والانسجام ، ولكن تقع كثير من الأمهات فريسة سهلة لأساليب الأطفال المزعجة، كالبكاء والعويل والصراخ وكثرة الطلبات والإلحاح، وهنا تبرز الأم الواعية والمدركة لخطورة الموقف عن تلك التي تسقط أمام أساليب أبنائها الماكرة، وإذا استجابت الأم لطفلها بعد ان تترقرق دموعه وعلا صياحه فإن الطفل سيستخدم هذا السلوك في كل مرة، فهو قد نجح في إرغام أمه لمتطلباته ورغباته، وأصبحت الأم أسيرة لطفلها الهائج، وسيستمر في التمرد والتطلبات لاحقاً ويزداد أنانية وغروراً، فالخطأ الذي وقعت به الأم كبير جداً، لذلك فإن القيادة هنا أصبحت بيد الطفل الذي لايحسن استخدامها وتوضيفها بالشكل الصحيح، وستكون أمه تابعة له في كل مايريد ومايطلب، وتكون تحت إمرته في كل لحظة وكل دقيقة، وكل ساعة وإذا قال: أمي؟ قالت: مابك ياحبيبي؟ مالذي يوجعك يافلذة فؤادي؟ وبالتالي شعور الطفل بالاعتداد بالنفس والزهو يجعل الطفل يشعر بأن حياة الأم لايمكن أن تستمر بدونه، لذلك فإن الشعور الذي يخالجه هو أن من حقه أن يطلب اي شيء، فالأم حياتها له ومن أجله، وهذا مايسبب للطفل مستقبلاً عقدة الشعور بالحقارة عندما يصطدم مع الأصدقاء ومع المجتمع ويطلب ولا سَيُجاب له. أيتها الامهات الفاضلات، لاتتعاملن مع أولادكن بهذا الأسلوب الذي يجعله يشعر بأنه أمه مجرد خادمة له، تطبخ له الطعام، تغسل ملابسه، تصفف شعره، تلبسه حذاءه، تفرش له فراشه قبل أن ينام وهو ابن الأربع سنوات، هذا الشعور الذي سيصاحب الولد طيلة أيام طفولته سيجعله يحتقر المرأة التي عاش بين ذراعيها ويجعله ينظر إليها نظرة احتقار وازدراء، وهو ماجعل بعض المجتمعات مجتمعات ذكورية تتعامل باستخفاف مع المرأة، وجعل الولد يستخف بحقوق أخواته ويمنعهن من الزواج بحجة أنه ذكر وهن أناث! أدعوكن أيتها الأمهات إلى أن تراجعن سلوككن مع أولادكن وتحسبن لهذا الموضوع حساباً قبل فوات الأوان، دعي ابنك يعاني بعض الشيء، فإذا سقط فلا تركضي له وتساعديه على النهوض، اتركيه يعاني ويعتمد على نفسه في محاولة مساعدة نفسه ومعاونتها. فما يقوي شخصية الأبناء هو ترك المجال لهم في خوض تجارب الحياة، فالمصاعب هي من تكسب الإنسان القوة والعزيمة والاصرار. فلا تجعلي أبنائك يحصلون على كل مايريدون بسهولة فإن في ذلك ضياع لأهمية الأشياء وفقدان لقيمتها ورونقها وهيبتها. لاتتعاملي بأفضلية مع الأولاد فينشأ لديهم شعور بأفضليتهم من ناحية الجنس على أخواتهم. تعاملي مع الجميع بعدالة واتركي المجال لأطفالك بالخطأ، ولاتفعلي مايستطيع ابنك فعله بنفسه، فإن في ذلك قتلاً لشخصيته وثقته بإمكانياته، فالإمكانيات تُقتل عندما نقدم ونفعل أشياءً لأبنائنا هم يستطيعون فعلها بأنفسهم ولكننا لا نترك لهم المجال في التجربة، فاعتادوا علينا واستسهلوا ذلك. فإياكم ثم إياكم أن تجعلوا أطفالكم المحور الذي تدورون حوله، وإنما تعاملوا معهم من منطلق الرعاية الوالدية السليمة ومن الله التوفيق والسداد.....

منذ 3 أشهر
1362

الدلال وأثره السلبي على شخصية الطفل

يقع الكثير من الآباء والأمهات في اخطاء كبيرة عندما يلبّون كل رغبات اطفالهم ولا يرفضون لهم طلباً، معتبرين ذلك جزءً من الحب الصحيح الذي يقوي روابط المحبة بينهما، بل يعجز البعض عن رفض اي طلب مهما كان نوعه بحجة عدم كسر نفسية الطفل. إن تصرف الأب او الأم هنا إنما هو صادر عن طريق العقل اللا واعي الذي يستجيب للأوامر نتيجة انعكاس حالة شعورية عاشها الأب أو الأم في ايام طفولتهما، وهذه الحالة يمكن ان تكون بسبب الحرمان الذي مرّ به الأبوان، فهما لا يريدان لطفلهما ان يعيش او يشعر بما شعرا به وعاشاه أيام طفولتهما فيحاولان التعويض لحرمانهما عن طريق تلبية كل رغبات الطفل، وهنا المصيبة والطامة الكبرى، فالأولاد يتمادون في كثرة الطلبات وخصوصاً اذا لمسوا ضعفاً من والديهم في عدم رفض طلباتهم وتلبية نزواتهم حتى وإن كانت خاطئة وفيها أضرار مستقبلية وآنية. فمن الخطأ الكبير أن نعود الاطفال على تلبية كل ما يفكرون فيه وكل ما يرغبون به بحجة الحب ، فهذا يعتبر من الحب الخاطئ الذي يجعل الابناء يتحكمون بالآباء ويسيطرون عليهم ويقودونهم، مما يضعف مكانة الاب والأم. فترى كثيرا من الآباء والامهات يخضعون ويتوسلون لأبنائهم من اجل كسب رضاهم ، وهذا ما يشكل خطرا عظيما على مستقبل الأسرة ويهدد كيان المجتمع. وتبدأ صفة الانانية لدى الابناء بالظهور والنمو بسبب الدلع والدلال ، وتولّد لديهم شعور بعدم المسؤولية اتجاه أنفسهم واتجاه أسرهم ومجتمعهم. فهو لا يبالي الا بتوفير طلباته واحتياجاته ، فترى البعض من الاطفال يتمادى في الصياح والبكاء بوجه ابيه او امه اذا قوبل طلبه بالرفض ، بل يصل الحال الى الزعل ومقاطعة الاهل بعدم الحديث معهم ، من اجل الضغط عليهم في توفير كل طلباته، وهنا يسارع الاهل بتلبية رغبات طفلهم المدلل الذي بدأ يشعر بان من حقه ان يطلب ما يشاء وما يرغب. بل نلاحظ ان البعض من الاباء يقوم بشراء سيارة لولده وهو في سن الثانية عشرة، ظناً منه ان هذا يعد جزءً من الحب ، مما يدخل نفسه في دوامة من المشاكل العديدة اولها مشاكل الحوادث واصدقاء السوء والمصلحة الذين يستغلونه... اذن وجب على الأهل والحالة هذه توفير احتياجات الطفل الضرورية والمهمة والتي لاتعد اسرافا ولا بذخا لكي لا يعتاد الطفل على التبذير وتكثر طلباته بدون مبرر، فاذا كان لديه ملابس لابأس بها فلا داعي لشراء ملابس جديدة بمجرد ان يطلب الولد ذلك ، بل يجب ان نوفر له باعتدال ، ونرفض ما نراه غير مناسب وغير ضروري ، وهنا سيفهم الطفل ذو السبع سنوات والعشرة سبب الرفض ليتشكل لديه مفهوم ما هو ضروري، ويكون قنوعا بما يطلب من حاجات تكون مناسبة لشأنه مع أقرانه ومع وضع عائلته الاجتماعي. إن من سلبيات تدليل الاطفال هو:_ ١:_يدفع الاطفال الى البكاء والعويل بمجرد رفض طلباتهم.. ٢:_يجعلهم غير مسؤولين ولا يتحملون نتائج اخطائهم مما يدفع بالأهل إلى الدفاع عنهم في اغلب الاحيان وحل مشاكلهم.. ٣:_يضعف شخصية الطفل ويجعله اتكالياً وغير مبالي بإتعاب والديه.. ٤:_يلقي بأخطائه على الاخرين وعلى الزمن . ٥:_تنمو لديه صفه الانانية والغرور ... ٦:_لا يقبل عذر والديه إن عجزا عن توفير ما يريد اذن بعد ان عرفنا مضار تدليل الابناء وجب علينا ان نقدم لهم الحب باعتدال وبدون مبالغة ، فكل شيء يجب ان نوفره لهم يجب ان يكون باعتدال وباتزان لكي يكون الاطفال متزنين ومعتدلين في كل شيء، في تصرفاتهم وفي طلباتهم ، والابناء يتشكلون وفق طريقتنا في التصرف معهم، فلنختر طريقة مناسبة في التعامل معهم تدفعهم الى فهم متطلبات الحياة بشكل واقعي غير مبالغ فيه.. ومن الله التوفيق قاسم المشرفاوي

منذ إسبوع
1280

الفتاة وسن التكليف

"مريم" فتاة احب الحياة و الحرية والهدوء .. تغمر قلبي السعادة حين أرى الفراشات تطير... أو أشم عطر زهرة أو أرى طيف الشمس بعد نزول قطرات المطر في صغري... ان لم تخنّي ذاكرتي... إني كنت لحوحة... وأسأل والدتي عن أي شيء أراه أو أواجهه في حياتي.. اليوم هو 1999/09/09 وأنا في السابعة والنصف من عمري... مسبقاً تمت دعوتنا إلى بيت خالتي فهذا اليوم هو كما أسمعهم يقولون هو يوم بلوغ ابنت خالتي ( نور ) سن التكليف .. وصلنا والكل حاضر ومن بينهم بنات عماتي وأعمامي وخالاتي.. والجميع مبتهج وفرح وأنا لا أعلم ما السر في الموضوع!!! ولمَ فرحون؟ وماذا يعني البلوغ؟ أو سن التكليف؟ وبعد بضع دقائق بدء الحفل والجميع حاضر وجاءت بنت خالتي الكبيرة ومعها أختها( نور ) وهي متوجة بتاج من الورود البيضاء ومرتدية بدلة بيضاء، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة، وكأنها شمس وأشرقت على الحضور، أنشدت بعض الحاضرات الأناشيد... والكل يهنئ ( نور ) ويهدي لها الهدايا. قدمت لها والدتها القرءان هدية ... قبلته ( نور ) ووضعته على جبهتها وهي مسرورة .. قدمت الحاضرات ما أحضرنَ معهن من هدايا بسيطة وجميلة... وكل واحدة أخذت دورها في همس كلمة في اذنها واحتضانها وهي مبتسمة وفرحة ... ومن جملة ما قالوه لها إنه يجب عليها أن تتفقه في دينها .. وتؤدي واجباتها كي تنال الجنة .. وتلتزم بحجابها وتحافظ عليه .. وانا أراقب عن كثب وأتمنى لو كنت أنا مكان ( نور ) .. وبعد أن عدتُ مع والدتي للبيت .. سألت والدتي .. مجموعة من الأسئلة .. ومنها .. ماذا يعني البلوغ؟ وما هو سن التكليف؟ وماذا تقصدون بالتفقه؟ ولماذا وتقولون لها أن تلتزم الحجاب وهي ملتزمة به فعلاً؟... ولماذا نقيم هكذا احتفال؟ ووو ... ومتى أكون أنا بالغة ومكلفة؟... وبابتسامة رقيقة وبنبرة حنينة أجابتني أمي عن تلك الاسئلة .. ففهمت بعض الإجابات ولم اعِ البعض الآخر... وأنا اتساءل مع نفسي في كل يوم عن هذه الأمور الخفية لدي .. الى ان جاء يوم 2001/05/30 .. وفي ذلك اليوم قالت لي والدتي اليوم سيأتي إلينا أقاربنا في زيارة .. ولم اسأل والدتي عن سبب الزيارة لكنني فرحت لقدومهم... وبعد ساعة جاء الضيوف وعلى وجوههم الابتسامة .. ولم أعلم ما سبب المجيء... طلبت مني ابنة عمتي أن أصطحبها إلى غرفتي... ففعلت... وحين وصولنا الغرفة أخبرتني بأن اليوم هو يوم تكليفي... لأني في هذا اليوم قد صرت في سن البلوغ .. ففرحت كثيراً لعلمي أن الحضور اليوم هو من أجلي .. فناولتني والدتي ثوباً أبيض لإرتديه ووضعت الورود على رأسي وبدأ الحفل... وفي تلك اللحظة ذهبت أعماق ذاكرتي ولم أعد أسمع من حولي وأنا تائهة في تفكيري وأتساءل مع نفسي... ماذا؟ ولمَ؟ واي شيء؟ ووو... فكل شيء طرحته على نفسي كسؤال .. وفي ذلك اليوم فهمت بعض ما لم أدرك معناه من أمي قبل سنتين تقريبا .. ففهمت أن البلوغ هو : إكمال التسع سنين هلالية... ويعتبر في الإسلام بداية للكثير من الأحكام لأن البلوغ هو بداية مرحلة مسؤولية الفرد عن أفعاله.. وعرفت أن التكليف هو: تشريف من اللّه‏ عز وجل للإنسان وتكريم له؛ لأنّه يرمز إلى ما ميّز اللّه‏ به الإنسان من عقل، وقدرة على بناء نفسه، والتحكّم في غرائزه، وقابليته لتحمّل المسؤولية خلافاً لغيره من أصناف الحيوانات، ومختلف كائنات الأرض، فإنْ أدّى الإنسان واجبَ هذا التشريف، وأطاع وامتثل شرّفه اللّه‏ عز وجل بعد ذلك بعظيم ثوابه، وبملكٍ لا يبلى ونعيمٍ لا يفنى، وإنْ قصّر في ذلك وعصى كان جديراً بعقاب اللّه ‏عز وجل وسخطه؛ لأنّه ظلم نفسه، وجهل حقّ ربّه، ولم يقم بواجب الأمانة التي شرّفه اللّه‏ بها، وميّزه عن سائر المخلوقات.. وفهمت أن التفقه هو: معرفة وتعلمٌ العلم الذي يكون مَدار البحث فيه مُختصّ بالأحكام الشرعية، فالأحكام الشرعية عدّة أنواع بناءً على مبناها؛ فبعض الأحكام تدل على الطلب والأمر الجازم، وبعض الأحكام تَدل على طلبِ فِعل تَخييراً لا أمراً، وبعض الأحكام ليست اقتضاءً ولا تخييراً بل وضعاً، وهذه الأحكام مصدرها الأدلة التفصيلية التي تصلح أن تكون دليلاً شرعياً مقبولاً في الشريعة الإسلامية... ويعتبر التفقُّه في الدين حصن العامل وملاذه والخلفية الدينية والقانونية التي ينطلق منها، والجبل الراسي الذي يستند إليه في كافة قراراته وأفعاله، لأنه من الطبيعي أنّ ترك التفقّه في الدين سيؤدي بالعامل إلى أن يكون محكوماً للأهواء والمزاج وبعض الأعراف الخاصّة والسلوكيات العرفية والتشبه بالآخرين وسوى ذلك من المصالح والاستحسانات التي لا يمكن أن تشكّل نوعاً من الخلفيات الثقافية. وفهمت أن الالتزام بالحجاب هو: ليس مجرد وضع عباءتي على رأسي وعدم إظهار الزينة أمام الشخص الأجنبي لكن الالتزام بالحجاب هو أرقى من ذلك... هو حفاظ البنت على رزانتها وجدية شخصيتها أمام الآخرين... مع أداء جميع مسؤلياتها و واجباتها على أكمل وجه...

منذ 5 أشهر
1141

ضرب الأطفال وأضراره

يعجز البعض من الآباء والأمهات عن علاج الأزمات بين الأطفال إلى الخروج إلى المألوف السلبي المتداول في المجتمع، ألا وهو استخدام الضرب والقسوة مع الأبناء بحجة التربية وتعديل السلوك، متناسين قول النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم ): "ماكان اللين في شيء إلا زانه"، وقوله أيضاً: "أكرموا أولادكم وأحسنوا إليهم"، ولو بحثنا عن بعض الأسباب التي دفعت الأهل لتبنّي الضرب في التعامل مع الأبناء لوجدنا أن أول الأسباب هي: الطريقة والأسلوب التي تم التعامل بها معهم في أيام طفولتهم عندما كانوا صغاراً وشباباً، فتجذّرُ هذا الأسلوب العدواني في عقول الأهل كان السبب لاستخدامه الآن مع الأبناء، فبعض التصرفات التي صدّقها العقل الواعي وتبنّاها لأيام وسنين طوال قد تعامل معها العقل اللاواعي على أنها من المسلّمات التي لاتقبل الشك بل إنها من اليقين الذي لاريب فيه، ويغفل هؤلاء الآباء والأمهات عن سلبيات هذا الأسلوب القاسي المعارض لأحكام الله تعالى وسنة نبيه الكريم، وأحكام العقل القويم فضرب الأبناء يقطع العلاقة الروحية بين الأهل والأبناء ويُبدّد أواصر المحبة، ويفكّك الروابط الاجتماعية والانسجام، مما يدفع بالأسرة إلى التشتّت والضياع. وقد يتوهم البعض أن التربية الحديثة الغربية هي من دعت وروجت إلى ترك أسلوب الضرب والقسوة مع الأبناء، وهنا نؤكد أن الإسلام المحمدي الأصيل هو أول من وضّح الموقف الشرعي اتجاه هذه الظاهرة، لأهميتها في بناء المجتمع، فدعى الآباء والأمهات إلى استخدام أساليب بنّاءة في التعامل مع الأبناء تُسهم في زرع مبادئ الألفة والمحبة داخل الأسرة الواحدة، وبالتالي تكوين مجتمع قائم على أسس صحيحة، وهذا ما أراده الإسلام من الناس من أجل الوصول إلى السعادة، وتجنّب كل أنواع المعوّقات التي من شأنها أن تقضي على كيان الأسرة المسلمة. سلبيات ضرب الأطفال: يمكن أن نذكر بعض سلبيات الضرب من أجل دفع الآباء والأمهات إلى تجنبها وعدم الوقوع فيها وبالتالي: ١ـ إن الضرب أسلوب انهزامي، ويدلّ على عدم قدرة المربّين على السيطرة بالشكل الإيجابي على الموقف، وبالتالي فهو يدل على ضعف شخصية المربي لا قوتها، فاستخدام الضرب مع الأبناء سيكون له أثر وقتي وسيزول باختفاء عامل الخوف (الأب او الأم أو المعلم ) مما لا يجعل الأطفال يؤمنون بهم كمربين ومسؤولين يمكن اتباعهم والأخذ بكلامهم، وبالتالي يفقدون عناصر القوة في تأثيرهم على الصغار، ناهيك عن مشاعر الكره التي يضمرها الصغار للكبار بسبب عدم احترامهم وتقديرهم... ٢ـ إن الرسالة التي يفهما الأبناء من الضرب هو أن العلاقة الأبوية تعتمد على القوة البدنية التي يتمتع بها الكبار الآن مقابل ضعف جسد الصغار وبالتالي فإن هذه العلاقة ستتغير بمرور الزمن وسيتبدل الحال وتختلف الأحوال فالقوي يصبح ضعيفاً والضعيف قوياً، ومن الممكن جداً أن يستخدم الأبناء في أيام شبابهم بعد أن فُتلت عضلاتهم وقوي عودهم نفس الأسلوب الذي اتبعه الأهل معهم، أي إن الأبناء سيستخدمون الضرب وعدم احترام ذويهم لأنهم لم يتلقوا الأسلوب الأمثل في التربية أيام صباهم وهذا شيء وارد جداً وقد حدث ويحدث في مجتمعنا كما نسمع هنا وهناك، وهذا مايوصل بعض الأبناء إلى عقوق الآباء، فعدم الشعور بالحب والحنان والعطف في أيام الطفولة يدفع الأبناء إلى عدم الإحساس بالمشاعر اتجاه آبائهم وأمهاتهم مما يسبّب العقوق وانقطاع العلاقة الإيجابية... ٣ـ إن استخدام الضرب يخلق أبناءً انقياديين لكل من يكبرهم سناً أو يفوقهم قوة بدنية، مما يفقدهم القدرة والاستطاعة في الدفاع عن أنفسهم، بسبب شعورهم الداخلي بعدم القدرة على الدفاع عن أنفسهم... ٤ـ أن من أضرار الضرب أيضاً أنه يخلق الجبن والخنوع في نفوس الأبناء. ٥ـ ومن أضراره أيضاً هو انخفاض تقدير الذات وتشويه الصورة الذاتية للأطفال، أي إن الطفل ينظر لنفسه على أنه إنسان ناقص غير سوي فاقد لأبسط مكونات الشخصية، ألا وهي تلقي الاحترام واستحقاقه من الآخرين، وبالتالي تكوين مفهوم سلبي عن الذات مما يؤدي إلى الشعور بالتفاهة والحقارة... ٦ـ من إضرار الضرب هي صناعة أبناء عدوانيين وتشكيل شخصية مجرمة ناقمة على المجتمع بسبب المعاملة السيئة التي تلقّوها في أيام طفولتهم، وهنا توجّب على الأبوين أن يُحسّنا المعاملة مع أبنائهم من أجل الحفاظ على النسيج الأسري والمجتمعي... هذه بعض السلبيات الناتجة عن استخدام أسلوب الضرب مع الأبناء، وهنا فيتوجّب على الآباء والأمهات الرجوع إلى الأسلوب الأمثل في التربية، والذي ذكره الله تعالى وحثّ عليه الرسول الكريم وأهل بيته الكرام، فقد سأل أحد الأشخاص الإمام الصادق (عليه السلام) عن ضرب الأطفال بسبب مشاكستهم، فردّ عليه الإمام (عليه السلام): لا تضربه واهجره ولا تطل. وقد بيّن لنا الإمام درساً تربوياً لكل المربين والمهتمين بأمور الأسرة وهو استخدام أسلوب (الهجران) بدل الضرب، وهو من الأساليب الناجعة والتي تجعل الأبناء يشعرون بأخطائهم ويحسبون حساباً لتصرفاتهم، فالهجران شعور نفسي يسبّب ألماً للأطفال وبالتالي يعطي درساً تربوياً في تعديل السلوك بشكل إيجابي، وقد ذكر مع الهجران عدم إطالة مدة (الزعل) لكي لايسبّب جرحاً نفسياً عميقاً في نفوس الأبناء ويخرج عن تأثيره الإيجابي، فمضمون الهجران هو أن نجعل الطفل يشعر بالخطأ الذي فعله، وليس جعله يتألم بشدة، وبالتالي فإن استخدامنا للهجران بالشكل الصحيح يوصلنا إلى نتيجة بنّاءة تساعد في بناء هيكلية شخصية الأبناء بشكل سليم... ولايخفى علينا أن الحكم الشرعي الذي ذكره علماء وفقهاء المسلمين بخصوص الضرب هو وجوب الدية الشرعية على الضارب في حدود معينة. فاحمرار الجلد يستوجب دية تختلف عن ازرقاق الجلد واسوداده. وقد أفتى الفقهاء بجواز ضرب الأبناء بمقدار ثلاث ضربات على أن لاتصل إلى حدّ الاحمرار بشرط التأديب لا التشفي، وهذا الأمر منوط بأمر الولي حصراً ولاجواز لغيرهم في الضرب حتى لايحق للأم بهذا... ولو احتكم الناس إلى قوانين الله تعالى وتعاليم النبي العظيم لما وصل بنا الأمر إلى هذا الانحلال وهذه الفوضى المجتمعية. ولكن يبقى الأمل في إصلاح شأن هذة الأمة بإصلاح شأن الأسرة والعناية بها من قبل الأبوين... ومن الله التوفيق

منذ 3 أشهر
1125

قوة الكلمة

أنا غبي! أنا فاشل! هكذا كان يردد حسن مع نفسه هذه الكلمات؟ كنت منتبها له لأنه كان أكثر التلاميذ حزناً، وكان شارد الذهن ، ولا يرغب بالدراسة، كنت مهتماً لأمره لعلني أقع على سبب حزنه وانكساره النفسي والدراسي؟ فعندما أطلب منه أن يشاركنا في الحل يبقى واقفاً وصامتاً لفترة ويقول: أنا غبي وفاشل يا أستاذ؟ -يقولها والدمع يترقرق في عينيه! والحسرة والألم ينبعثان من صدره!- فما تقوله ليّ أمي صحيح، فأنا لا استطيع النجاح لأنني غبي ولا أفهم شيئاً! قلت له: يا ولدي ويا عزيزي، لا يوجد شخص غبي وفاشل! فالله تعالى وهبنا العقل وباستطاعتنا استعماله بشكل صحيح، فالإنسان قادر على النجاح وفعل المستحيل، وأنت قادر على ذلك يا فتى! ابتسم الطفل ابتسامة الفرح والاستغراب، وكأنه وقع بين التصديق وعدمه! كررت العبارة مرة أخرى للتأكيد وقلت له: نعم، أنت تستطيع أن تنجح أنا متأكد من ذلك، بل وواثق منك وستفعلها! بكلمات بسيطة استطعت أن أُعيد له بصيصاً من الأمل والحياة! نعم، إنها الكلمة الإيجابية يا سادة؟ فكلمةٌ تبني... وكلمةٌ تهدم!! بعد أيام التقيت به مرة أخرى وسألته عن أحواله الدراسية فقال: استطعت النجاح بمعدل متوسط في مادتي العربي والرياضيات بعد أن كنت راسباً بهما. فقلت له: ألم أقل لك أنك تستطيع النجاح؟ إيمانك بنفسك وبقوتك الداخلية هي من أعادت لك الأمل؟ فقال الولد: إنها كلماتك يا أستاذي التي غيرت من نظرتي حول نفسي، فأنا كنت انظر لنفسي بأنني لا أستطيع أن أفعل أي شيء، بل كنت قد كونت تصوراً سلبياً عن ذاتي، فأنا طوال هذه الفترة انظر لنفسي على أنني إنسان غبي وفاشل، فكثرة ما ترد هذه الكلمات على ذهني جعلتني أصدق بأنني غبي وفاشل ولا أنفع لفعل شيء صائب! ولكن يا أستاذي عندما رجعت إلى البيت وأنا فرح ومسرور بنتيجتي التي حققتها في الامتحان، استقبلتني أمي وقالت لي : أكيد إنك راسب في الامتحان اليوم! فأصابني الحزن والإحباط وفقدت الأمل من جديد، فأمي دوماً تُكسر أحلامي وتبدد آمالي وتجعلني أشعر بالأسى على نفسي. قلت له: لا عليك، أمك لا تُحسن استخدام الكلمات، هذه قدرتها ومعرفتها، فهي تحاول مساعدتك ولكن بأسلوب خاطئ، فهي تظن أنها بكلماتها هذه تستطيع أن تحفزك نحو الدراسة، ولكنها تعمل العكس تماماً. ما عليك فعله هو أن تثق بنفسك وتؤمن بها وتتوكل على الله تعالى فهو حسبك يا فتى. ودعته هذا اليوم وأنا مبتسم، وقبل أن أخرج من الصف أهديت له كتاباً بعنوان ( تستطيع، إذا اعتقدت أنك تستطيع) ففرح به كثيراً وبادلني ابتسامة الواثق من نفسه. فإليكِ أيتها الأم، وأيها الأب العزيز، عليكما أن تُحسنا اختيار كلماتكم وعباراتكم مع أبنائكم، فللكلمة قوتها وتأثيرها، فبها نرفع أبناءنا وبها نحطمهم. فالمدح هو أسلوب الناجحين، فكن ناجحاً في أسلوبك وخطابك اتجاه أبنائك. وابتعد عن أسلوب العاجزين، فالنقد السلبي يسبب الألم ويدفع الأبناء إلى الفشل، فالطفل يُصدق ويعتقد ما يسمعه منا، فلا تجعله يسمع منك إلّا الجميل والحسن، فابتعد عن إطلاق الألقاب والعبارات التي تسبب لطفلك الانكسار والشعور بالفشل، وشجّعْه وأجعله موضع ثقتك، فالطفل يطمح أن يكون عند حسن ظن أهله به، فكن عند حسن ظن أولادك، فبهذا تستطيع أن توصلهم إلى القمة... فللكلمة تأثيرها... قاسم المشرفاوي

منذ شهرين
1004